لا غناءٌ لنا يدوم

سألت أخي عن سبب فصل ذكر الكنار عن أنثاه وجعله كلّاً منهما في قفص, فأخبرني أنّه لا يغرّد إلا قليلاً إن وضعهما معاً (ربما حين تكون نائمة أو رافضة) , فيفصله عنها ليغرّد طيلة الوقت.

في حكايته لتنقّله بين المذاهب في رحلة القلق, في السيرة الفكرية والنفسية النادرة “المنقذ من الضلال”, يتحدث الإمام الغزالي عن أنّ من يكتب عن الأحوال والمقامات هو من لم يعاينها أو بشكل أدقّ أن الكتابة عنها ليست ذات معاينتها, أو بكلمات أخرى إنّ الكتابة في حالة غربةٍ وقصورٍ عن الحقيقة, ديالكتيك ما بين التاريخ والمثال, بين الإنسان والمطلق, فمن يلتحم باليقين و يترقّى في منازل العرفان والحب الإلهي يستغرقه الوجد والمعنى حتى لا يترك مساحةً للقول أو قدرةً عليه … أو حاجة له.

في سياق مختلف يتكلّم العروي في أحد كتب المفاهيم المكثفة والذكية “مفهوم الحرية” , عن أننا لا نكتب عن الحرية إلا إن افتقدناها , و أن حضور الحرية في الكتابة مرتبط بغيابها في الوجود, كما أن حضورها في الوجود مرتبط بغيابها في الكتابة.

كان هذا سؤال رسول حمزاتوف الذي يُقرأ بخفية في كتابه الساحر “بلدي” , ما الذي جعله يكتب عن داغستان حقّاً : موسكو التي أقام فيها أم قرية تسادا التي يحنّ إليها , الروسية التي يتكلّمها مع رؤسائه و منفاه أم الآفارية التي يحفظ بها ذكرياته ؟

ورغم أن هذا التصريح مجافٍ لتراتبيات البلاغة المعهودة وآداب الكلام عن عن جوامع الكلام , لكن ما نقشته جارية اسمها نزهة على خاتمها وروتها كتب الظرفاء والجواري في زمن العباسيين المترف, ممّا لا أقرؤه دون رهبة تهزّني في العمق, رهبة من إعجاز الكلمة القادر على أن يموسق إشراق الحكمة العالية برقّة الومض … بإيجاز الطعنة, نقشت نزهة على خاتمها : من حنّ أنّ ..

أراد ابن عربي أن يوهمنا بالنقيض, حين كتب إن الشوق الذي يسكن باللقاء لا يعوّل عليه, يؤمن ابن عربي أن “الحروف أمة بين الأمم”, وأنّه لا يكتب بقدر ما يفيض الله عليه من فتوحات الكلمات, كان ابن عربي يحاول أن يتغلّب على ما أتعب الغزالي, ويحاكي المطلق بالكلمات, وكان لا بدّ له أن يراهن على لقائه المستحيل وشوقه المكتمل, لأنّ شرعيّة “أمّته” مستمدّة بالذات من هذا النقض للنقص الملازم للشوق, وكان ابن عربي واعياً أنّ شوقه ولقاءه في أفق متوهّم من الكمال تتسق فيه النقائض, مختلف عن أفق النقص الذي نحيا ونغبرّ فيه غير متسقين حتى مع ما يشبهنا لا مع ما ينقضنا.

يكتب شاعر فرنسي في القرن السابع عشر : إن الحب كالأشباح, يتحدّث عنها الجميع ولا يراها أحد.

ربما كان هذا ما أقنع به المتنبي نفسه في ترفّعه الفروسي عن الحب قبل أن يحترق به :

و عذلْتُ أهل العشق حتى ذقْتُه

لكن المتنبي في حرصه على المطلق اللغوي الأرضي –كنقيض لابن عربي الحريص على المطلق اللغوي الروحي- يجعل الشوق الأكمل ضريع المستحيل ,لا الواجب كما يقول ابن عربي, ولا الممكن كما تقول الحياة:

وما صبابة مشتاق على أمل

من اللقاء كمشتاق بلا أمل

لم يلتفت المتنبي إلى أن الشوق سليل النقص وليس العدم ولا الكمال, فقد كان مفعماً بأن حياته تمثّل للكون , وأن الكون تمثّل لقدر الغياب الذي لا يغيب :

أبني أبينا نحن أهلُ منازل

أبداً غرابُ البين فيها ينعقُ

ربما في مساءٍ ما تحدث شوبنهور للمتنبي واقتبس منه فلسفة الألم.

كان صوتُ نجاة الشفيف الذي تكمن عذوبته بالضبط في الغياب الساكن فيه , في القلق اللامفهوم واللامحسوس الذي تحيل إليه الرهافة المرتبكة, لخّص بحكمة وافية كلّ ما أرادت أن تقوله امرأة مفعمة بالضعف والغضب في الليل لنبيّ اغترب عن وحيها: القريب منك بعيد و البعيد منك قريب.

يغرّد الكنار للأنثى حين يفصل عنها, ويكتب الصوفي عن الله حين يتوقه أن يشهده, وينظّر المفكر للحرية حين يسود القمع, ويحبّ الجبلي التلال حين تبلعه المدينة, ونحيا أبداً عبر هذا النقص, كوليد يشقّ الرحم مجهداً كي يشمّ الهواء, ولكنّنا في رحم طويل …طويل.

نكتب عمّا لا نمسكه, أشواقنا اختناق ما يختلق هواءً ليتنفّسه الوهم, وعلى ارتطام ما بالحقيقة الفجّة و القاسية كما ينبغي للحقيقة أن تكون ندرك بداهةَ أن اشتياقنا لما هو غائب بالذات, وأن حياتنا ليست سوى قصة هذا التوق الطويل…. بالذات.

Posted in Uncategorized | 5 تعليقات

لا يدومُ اغترابي

1

الآن , و على هذا القاع المنصهر من عرق البشر الخائفين, في القدم الرابعة بعد الشمس , ستصحو من الجدث العميق , و تتذكّر:

كان على القيامة أن تحدث يوماً ما .

ولكن هذا لن يبْعد اللهيب إصبعاً واحدة .

___

أحبّكِ

كمْ لوّثتني العناوينُ في الصحف الخائنة !

2

ثمّة دوماً طريقٌ لم نعبرْه , ولكنّنا تمنّينا .

هذا الطريقُ الذي لم يكنْ هو ما نسير فيه على وجه الحقيقة بينما يشتّتنا التيه بين طرقٍ أسأمتْها الشمس و الأقدام المتعبة الكثيرة .

ثمّة تناقض أصليّ بين الإبداع و القانون , و بمجرّد ان نسلّم بقانونيّة الوجود , نرمي شعلةَ النار عن كتف بروميثيوس , و تبدأ أكتافنا مع سيزيف مهمّة الاعتياد على أن الراحة في الاعتياد.

هذا هو المكرّس , و الذي نتعلّمه منذ بدء الولوج في رحم الحياة, التي تولجنا بطريقها في رحم المعتاد, لا وقت للحياة كي تفرد لكلّ كائن وقتَه في إبداع الحكاية , تبتدئ حكاياتنا كما تنتهي سواها , و كلّنا بيادق تحرّكنا نواميس لم نخترْها لنكرّر أدوار الآخرين في المسرحيّة, ليس في أذن الهواء متسع ليسمع قصصنا جميعاً , و لذاك تنتظمنا النواميس في ملابس متقنة السبك للممثّلين السابقين تاركةً لنا الأفق الرحب للإبداع في الاقتراب من النموذج .

للحياة الوقتُ الكافي لتعقيد الحبائل , و لتصطنع لنا غاياتٍ من سراب , و ترمينا في متاهات لا تنتهي بنا إلّا إلينا بعد أن نمرّ بالطريق الطويل للمرايا باحثين عن ظلالنا في زوايا من زجاج هشّ لا تضمّ غير انعكاس الضوء عن أمنياتنا التافهة ,ولكنها الجميلة لأجل هذا بالذات .

كان بورخس يخاف من المرايا, و كان مولعاً بالمتاهة و الظلال , في التيه إن سمّيتَه تيهاً وضوح المعركة , وضوح الغرابة و جلاءُ الضياع ,أن تعرف يعني أن تشقى ولكن أن تحترم ممارستك للشقاء في الوقت ذاته, وما الظلّ؟ , يروي العجائز دوماً مثلاً عمّن يبالغ في خوفه فهو يهرب من ظلّه, مثلٌ مضحك, ولكنّنا نرويه و نضحك بالضبط لنخفي عن أنفسنا الحقيقة القاسية و الفجّة –كما ينبغي للحقيقة أن تكون- أنّنا جميعاً نقضي عمرَنا هاربين من ظلالنا … أو هاربين إليها , لا عتمة في الظلّ ولا ضوء لا شخص فيه ولا عدم , فيه دلالة المبهم و اللامفسّر و المتحوّل أبداً , هذا الامتزاج اللامفهوم والدلالة الناقصة هو جوهر الظلال, الظلال جوهر حياتنا و معناها المقيم على الهامش دوماً.

لكن المرايا ؟! , هذا الانعكاس الواضح الفجّ للحقيقة ولكن باعتبارها خيالاً و وهماً , تضعنا المرايا أمام ارتباك لا يترك المعركة شريفة بين الوضوح و المبهم , ثمّة زيف لا شكّ فيه في هذا الزجاج ولكنّه الحقيقة ذاتها و كاملةً , تظهر المرآة القدرة الخفيّة للضوء و الهواء و أنّ كلّ فراغ هو محلّ للوجود و الخلق , و أنّنا الوحيدون الذين لا نرى وجوهنا بينما يمكن لزجاج تافهٍ أن يعكسها في أيّ مكان مبهم من الكون , لذلك اخترع بورخس قصة الملك الأصفر الذي حبس كائنات خرافيّة انتصر عليها في المرايا و أجبرها أن تقلّد الإنسان و تحاكيه إذلالاً لها و لتتذكّر  الهزيمة , ولكن هذه الكائنات توشك أن تخرج من المرايا ..و تنقضّ علينا و تنتقم من كلّ ما فعلنا لها … لصورنا نحن … لأنفسنا في انعكاسها الذي نكبته و تغلّفه بركام من درنِ الذكريات لأنّنا لا نريد أن نراه .. لأننا حقّاً و مهما كذبنا لا نريد أن نرانا.

في متاهةٍ ما لا بدّ منها و بينا تراقب ظلّك و تبحث عن مرآة تهرب منها , سترى شريطاً من النمل , و ستُدهش من ضخامتك المهزلة أمام الواقع المرّ : يعرفُ النملُ طريقه !

____

أثقلتنا أسماء الموتى و أنباء الحرب و خيبات أكلت من وجوهنا حتى انطمست , في ليلة ما ستحتاج صوتاً واحداً من استثناء الذاكرة الجنّة ليفتّت صقيع القلب , حتى تستطيع العودة -واثقاً من ارتوائك الخفيف- إلى عاديّك … إلى معاركة الظمأ الجحيم .

ولكنْ دون هذا الصوت , حين يتحوّل من الممكن إلى المحال , ما الذي يتبقّى حتى للجحيم … ما الذي يتبقى .

3

ماذا تريد اللغة؟

أن نريدَها؟ , لا , فهذا محسومٌ باعتبار بشريّتنا المؤسفة.

تريد اللغة منّا ما تريدُ المرأة , كل امرأة مركزٌ للوجود, ليس المركز الفيزيائي المرئيّ المتمثل بالشمس كما كان يظنّ اليونان, و إنّما المركز الإلهي .. مركز المعنى و فيض الجميل , كلّ امرأة أمام الوجود البشريّ  ترى ذاتَها كالعرش الإلهي أمام الوجود المطلق, تبحث اللغة كما تبحث المرأة عمّن يبلغ بها هذا الاتساق المطلق الذي يقترب بها من السماء التي تليق بالحلم الذي تراه دوماً , حلمُ جمالِها الذي تغبّر و تغيّر في صحراء الواقع الذي لم يفهمْها .

ولكن اللغة أكثر حكمةً و استقلالاً و اكتمالاً بحكم أنّها تجرّدت عن بشريّة المرأة …. هذه البشريّة التيه .

الحروف كما يرى ابن عربي أمّة بين الأمم , هذا الوعي باللغة ككينونةٍ لا تحلّ بها الحياة و حسب و إنّما تمنحها كذلك , بدأ قديماً منذ وعي أهل حران بالنفس الكليّة التي تتجلّى عبر اللغة و الموسيقى و الفنّ , و التي يجهد الإنسان كي يشبه اتساقَها , و كلّما اقترب من هذا الاتساق الصعب كان أدنى لإحساسه الضرورة بالجميل…. الجليل.

الكتابة بحثٌ عن هذا الاتساق مع الجمال الأوّل , ولكنّها بحثٌ قبل ذلك عن حبّ اللغة , و أن تشعر اللغة كما يشعر خصر امرأة أنّ أيدينا أكسبته كما تلقّت عنه جمالَه المطلق كما يليق به, ولكن الكتابة قبل أن تصل إلى ترفِ السماء المتسقة هذه , هي ضرورةٌ للتاريخ , يكتب الإنسان كما يحبّ و كما يحارب , و كما يبني و يلد و يتذكّر , كي يتغلّب على الأسر القاسي و الضيّق للزمن , و يرى امتدادَه فوق الوقت و الحياة و المرئيّ, أن تتكلّم جماعةٌ يعني أنّها دخلتْ حيّز الإنسان , أن تكتب أمّة يعني أنّها دخلتْ حيّز التاريخ , ما الإنسان إلّا هذا السعيُ المتصل لتجاوز المباشِر الملموس السهل ؟!

لم يفهم العربُ معنى الحروف المنزلة في بدايات السور , لكنّهم فهموا أنّ الحروف بذاتها تصلح محلّاً للكلام المقدّس , و أن اللغة بذاتها يمكن أن تكون معجزة, ربما هذا ما جعل الخطّ العربيّ أكثر تجلّيات حروف الأمم محلّاً للفنّ بحدّ ذاته , لمجرّد كونه مظهر اللغة, وهو ما جعل من المتصوّفة باحثين في معاني الأحرف و دلالاتها الإلهيّة و الكاشفة للوجود, ليست الاحرف باعتبارها أصواتاً , و إنّما حتى برسومها , كلّ حرفٍ برسمه يحوي خفايا مكنوزةً من الخلقِ الأوّل و من السرّ الإلهيّ المكنون.

في زقاق معتمٍ من بغداد , كان ثمّة بيت يحوي غرفةً عُلّق فيها مصباح خافت , تحت هذا المصباح كان ثمّة فتاة بين يدي أبيها , طفلة عمرها سنتان كان أبوها يلاعبها قبل نومه و يناديها : يا مقلة أبيها.

ستكبر هذه الفتاة , و ستتزوّج غصباً أو حبّاً , من يهتمّ بعاطفة الماضي ؟!, و ستلد أبناء و أحفاداً و تموت ,  وسيكون من نسلِها شاب يعيش بين آخر القرن الثالث و أوّل القرن الرابع , سيعرفه التاريخ بأنّه ابن مقلة .

انتقلت الكتابة العربية مع ابن مقلة إلى أفقٍ آخر من آفاقها الجماليّة, يجمع المؤرّخون على إعجاز خط ابن مقلة بالنسبة لكتاب عصره , و أنّ أسماء معدودة عبر التاريخ من بلغتْ مرتبة ابن مقلة في الخطّ , كان ابن مقلة أوّل من وضع قواعد للكتابة , قواعد معياريّة لتقترب يد الإنسان من الجماليّة المرئيّة للغة ,من الاتساق الكليّ للمرئيّ الذي يظمأ الإنسان طويلاً في صحراء العمر باحثاً عن ارتواءٍ خفيفٍ منه .

اخترع ابن مقلة خط الثلث , و خط النسخ , وما زلْنا حتى اليوم, و رغم ما ناب هذي الخطوط من تحوّلات و تطوير و توفيق بينها و بين خطوط أخرى, إلّا أنّنا حتى اليوم , و بمعنى ما , نقرأ القرآن بخطّ ابن مقلة .

لم يكنْ ابن مقلةً خطّاطاً و حسب , و إنّما كما تقتضي شؤون الكتابة, كان شاعراً و مؤلّفاً و حكيماً و تاجراً غنيّاً , و بالاتساق مع تلك المرحلة وزيراً كذلك.

ليس بعيداً عن يوم موته , اجتمع الفقهاء في مجلس الخليفة الراضي بالله, و بالاتفاق مع الوزير ابن رائق , و صدر الحكم بقطع يد ابن مقلة , يده اليمين التي كان يكتب بها .

باكياً , كما تبكي اللغة, كان يدعو على من قطع يمينه , و بينما يبلع دموعه و ينشج كان ينشد للفراغ الموحش الذي حلّ مكان يده :

 ليس بعد اليمـين لذة عيـشٍ…  يا حيـاتي …. بانت يميـني … فبيني

لم يرقْ دعاء ابن مقلة لابن رائق , فأمر بقطع لسانه و حبسه.

في أيّامه الأخيرة في السجن , وحيداً إلّا من أوساخه التي ضاعفها المرض , و بأسمالٍ ممزّقة تلهو بها حشرات بغداد , ضعيفاً لا يد ولا لسان ولا لغة, كان يحتاج لكي يشرب من البئر المتروك له , أن يمسك الحبل بأسنانه بينما يرفع الدلو بيده اليسرى , كي يشرب الماء .

لكنْ أين ذهبتْ يد ابن مقلة ؟!

هل اختفتْ فجأة من يد الجلّاد و حكى المنجّمون وقتها أنّ اللغة استردّتْها , أم هل رُميت في خرائب دار القضاء لتجملها الطير و تدفنها تحت مكتبةٍ ما؟ , أم أنّها تُركت لابن مقلة كي يحنّطها و يحفظها لأبنائه و يكتب عنها القصائد؟

على عكس ما تريد الفلسفة و يتأمّل الشعر , يثبت التاريخ دوماً أنّه أكثر فجاجةً من الأحلام.

من الأساطير المؤسّسة للدولة المثلى أنّها من يحكمها الحكماء, و أنّ أهل الفكر أجدر بتغيير التاريخ و أقربُ للرحمة الأصلية في الإنسان و أشبه بتحقّق الروح الكليّة من أهل السلاح .

لكن تاريخ المرحلة التي عاش فيها ابن مقلة يثبت نقيض ذلك , في القرن الثالث الهجري ,و مع تطور منصب “الكاتب” في الدولة , و وسط تعقّد الخلافات بين مؤسسة الحكم و العسكر و الجماعات الكثيرة التي تمثّلت بمظهر سياسي عسكري لا قومي فقط, ظهرتْ مرحلة من الوزراء الكتاب في الدولة العباسيّة, وعلى عكس ما نريد أن نؤكّد كمثقّفين , فقد كان حكم الكتّاب مليئاً بالدسائس و المؤامرات و الظلم و التعذيب, هل يغلب الواقع اللغة ؟ , أم هل تعبأ اللغة بالواقع؟ , ذاك متروكٌ لمن يجد وقتاً للمجاز المناسب , و لم يكن ابن مقلةً استثناءً من ذلك , قتل ابن مقلة الكثير و شارك في مؤامرات كثيرة , عارك السلطة و حارب و جرّب مكرَه و قدرته على التلاعب بالمصائر و الدول , و كان فرداً كذلك من مسرحية السلطان , محكوماً بمنطقها, منطقها الذي لا منطق له في النهاية سوى القوّة .

 لا استثناء في الحياة , كلّ ما فيها ملتبس و ممتزج بما لا يُفهم , لا كمال لغير النقص الدائم في حكايتها , و لا فهمَ لغير المبهم الدائم في النصّ , التسليم بالظلّ بديلاً عن الشمس هو وحده خطوة المحارب الذكيّة الاولى في اقتحام التيه , و معاركة السراب , لا لكي ينتصر , و إنّما لئلّا يموت دون أن يعرف خصمه !

أمّا مصير تلك اليد , يد ابن مقلة , فيروي القاضي التنوخي , الذي عاصر ابن مقلة , و عايش –بحكم عمله كقاضٍ- خفايا الدولة و أسرارها , أنّ هناك خزائن في دار الخلافة , عدا خزائن الكنوز و الهدايا , كانت حزائن ما أخذته الدولة ممّن تحدّى سلطتها , في تلك الخزائن كانت رؤوس و أيدٍ و أصابع و آذان من نسوا في لحظةٍ ما أنّ السلطة ستبقى أقوى من الأذكياء , في أحد الأدراج كانتْ ثمّة يد بأصابع نظيفة ممدودة و بجانبها رأس و بينهما ورقة كُتب عليها : هذا رأس الوزير الحسين بن القاسم و هذه يد الوزير أبي علي بن مقلة , هذه اليد وقّعت على قطع هذا الرأس.

ما زلنا حتى اليوم نقرأ القرآن بيمين ابن مقلة المبتورة , مبتورون نحن في التاريخ , نبحث عن أيّ قماشٍ نغطّي به الفراغ اللامفهوم و الموحش الذي كانت تحتلّه يد ابن مقلة, حتى نفهم كلماتنا , ما زلنا نكتب بتلك اليد المبتورة , لنفجأ بأنّنا نمسك الفراغ , مرتعدون نحن من الحقيقة , نهرب إلى المجاز فيأكلنا , نفرّ من الواقع إلى اللغة لتكملنا الكلمات فتعرّينا كلماتنا أجساداً من الحفر العميقة المتناثرة بلا أيّ قانون, أجساداً من النقص الأصليّ الهارب دوماً من مراياه, أجساداً من الأحلام التي يبتلعها الواقع الفجّ و تقاوم احتضارها بالخدر اللذيذ للوهم .

كلّنا, حتى الآن , نحمل على أكتافنا الظلّ المرعب ليمين ابن مقلة المبتورة .

_____

ما زلنا نبحث مع اينشتاين على شراشف النوم عن القانون الكليّ , و ما زالت بنو تغلب تتلو شعر ابن كلثوم , لم يحلّ القاضي ما بين تميم و الأزد , وما زلنا عالقين في انتظار الأحنف بن قيس كي يغسل الدم , لم نغسل حتى اليوم سمّ هدايا الروم عن جسد الملك العربي , ولم ينس امرؤ القيس بينما يحتضر جسد ابنة عمّه العاري , ما زالت عنق سعيد بن جبير مرميّة على الأرض تنتظر أن يرمي بها رجل واحد عرش الحجّاج , و الملائكة يمسّدون كتف الإمام مالك كي يدعو الله أن يغفر لجلّاده جهله , لم ينتبه أحد إلى مكتبة التوحيدي التي تحترق , لم ينس الشهداء أن يزوروا في الليل غرف الحبيبات , و السماء ما زالت تخاف كلّما دخلت أمّ إلى مشفى الحرب , لم نفهم بعد معنى دموع النساء , ولم نجب حتى الآن عن سؤال القذافي : من أنتم …. من نحن ؟ , من نحن ؟

4

القصّة الأولى

في الصباح الجادّ حمل المثقّف دفاتره و كتبه و مضى في طريقه الصعب الطويل نحو المكتبة , لم يكن طلوع الشمس مختلفاً جدّاً إلّا أنّ الشعاع الخفيف ذكّره بواجبه نحو تغيير العالم , و بأنّ إشكاليّة المعرفة البشريّة آن لها أن تُحلّ , و كان يشغله بينما تطلع الشمس عليه رويداً رويداً حتى انتصبتْ واحدةً فوق رأسه سؤالُ الثنائيّات التي يمكنه بإبداع لغويّ صرف أن يردّها متسقةً كنهر , و كلّما مرّت قربه سيّارة الشرطة تذكّر أنّ صورة الدولة لديه لم تكتمل بعد , متنبّهاً لواجب أن يسرع في ذلك حتى ينقذ الأمّة من انحدارها و اختلال مفاهيمها , بَلْهَ طبعاً بداهة أنّ كلماته سترفع راية العدل من شقوق جراح المظلومين فوق قصور الطغاة و تسرّ الشهداء في قبورهم, متعرّقاً من طلوع لم يتنزّل بجوازِه الشرعُ تحت قيظ الشمس كان يتنحّى عن كلّ فتاة يمرّ بها , يكفي العابرات رؤية الثياب الأنيقة, لم يكنْ سؤال الأنوثة في المعرفة و الأمكنة يشغله أكثر من سؤال الخصر, لكن الأولى يمكن التفكير فيها بالكلمات بطبيعة الحال, و تذكّر مع كلّ خصر متقن السبك ضرورة التنبيه على الخطأ العامّ في فهم العبارة التي أضحت مستهلكة لابن عربي في أن “المكان الذي لا يؤنّث لا يعوّل عليه” , فالمكان لدى ابن عربي عليه أن يتحوّل إلى مكانة و هذا تأنيثه , لا بمعنى حضور الأنثى فيه, و إن كان حضور الأنثى أكثر جدوى و قابليّة للتحقّق لدى من لم يأخذهم الحال لغير الدائرة الواضحة في الجسد  لا لدائرة المعنى في العالم , و هذا تبعٌ لإعادة التأويل الساذجة بفجاجة للتصوّف الإسلامي و التي تستبطن سياق تحديد ايديولوجي ما بعد حداثي مختلفاً عن سياقه التأمّليّ اللغويّ الخاصّ , بين اليمنى و اليسرى نال اليسار الحظّ الأكبر من غبارٍ نثرته ورشة بناءٍ مرّ بها , طالما كان اليسار أغبر و على عكس نظّارته لا يمكن تنظيفه , لكنّه لا يصنّف نفسه كيمينيّ , إذ من تصوّره أنّ القول بيمينيّته هو تسليم بمركزيّة الآخرين في تصنيفه , بينما هو المرجع في تصنيف الآخرين و نسبتهم حسب مسافتهم منه , و هذا ثابت لا يتنازل عنه .

حين بلغ المكتبة , و أمام الباب العالي المنيف لمعرفة العالم , فزّ في وجهه السؤال الوحيد الذي حاول تجاهله طيلة طريقه: لماذا لم تقدّم له كلّ هذه الثقافة أجرة التاكسي ؟!

بغير حماس, استدار عائداً بصمت وبلا أسئلة , دخل غرفته , و استمنى بقرف , و نام .

القصة الثانية

لم يُقتلْ له أحد برصاص الأعداء ,ولا كان يبدو –بحكم تعبّده الخفيف رغم إيمانه الصلب- منطلقاً في حربه من اعتقاده بفرض الجهاد عليه , و بإمكاننا القول أن لا أحد كان يعرف مكمن الثأر الذي يفجّر عروقه غضباً وسط المعركة , و حرصه على أن يتولّى بنفسه إعدام كلّ أسير مرتبك نزف رفاقه الدم بينما يتبوّل خوفاً , كان حريصاً على ألّا يقتله أحدٌ سواه, بغير دمٍ بارد ولكن بيد ثابتة , و ربما لم يبق أحد يحمل صوت أحمد سعيد الهادر عن رمي اليهود في البحر سواه , كان غريباً عن هذا البلد وحيداً إلّا من رسائل لم يرها أحد غيره و أحرقها قبل يوم المعركة الكبرى , ذلك اليوم الذي لا تنساه الشمس ولا عجائز الحارة المحتلّة.

أبعد ممّا وصل أحد من رفاقه قبل أن تهدأ النار, وجدوه غير مبتسم ولكن ثابت الملامح , كامل الجسد إلّا من شقّ خفيف في الرقبة , و في صدره ورقة من سطر واحد :

تعرفين , لقد أكلوا حصّتكِ من برتقال يافا .

القصة الثالثة

لم يفهمْه أحد, لا الرصاصة ولا القنّاص ولا رفاق السلاح, حين مرّ ببطءٍ لا مبالٍ مشرعاً جسده لقاتلٍ لم تر وجهَه النساء , لم يفهم أحد ذلك الخدر الذي كان يحسّه كلّ مرّة بعد أن ينقضي اليوم و يعود إلى نفسه وحيداً إلّا من الأمان المذلّ, ذلك الخدر الخفيف الفرِح الذي يخفي ندماً لا يفهمه من لم يجرّب الوقوف بثبات على على الحافّات الدقيقة لما بين الحياة و الموت في جبهات القتال الممتدّة من أقصى هذه البلاد لأقصاها, لم يكن ثمّة صوتٌ يوحّد بين اللهجات الألف التي يلهج بها أبناء هذا البلد الذين لا يجمع بينهم كشعب إلّا أنّهم سمعوا أنّهم شعب , حتى قامت هذه الثورة …. الثورة الحرب , فوحّدتْ جهاته أصوات القنابل و نوحِ النساء .

كان يشعر بالحسرة  المريرة و الخبيئة كلّما مرّ من خطرٍ سالماً , لم يحاول فلسفة الأمر كثيراً لرفاقه حين سألوه, في النهاية هم في ذات الطريق الطويل و يسمعون ارتباك الهواء نفسه, كان يرى أنّ المعركة احتمال الإنسان الأخير حين يكتشف الحقيقة الفجّة و الصادقة كما ينبغي للحقيقة أن تكون , حقيقة النقصان الأصليّ الذي تجبهه به الحياة , حين ذاك يرمي بحياته في خضمّ الحسم الأخير ,حتى يأخذ بزنده الاكتمال الصعب على من ألفوا ذلّ المعتاد المكرّس, المعركة هي خوض الاحتمال المكتمل الأخير بعد السأم من الخضوع المهين لتلاعب الاحتمالات الكثيرة بنا في خضمّ الحياة الناقصة أبداً.

لكنّ هذه الحياة الفجّة, حتى بعد أن تكتمل هُنيهةً بالنصر الصعب عبر الدم الحميم, تضعنا أمام السؤال القاسي و المخيف : لماذا لم….. .

أدرك بعد إنكار طويل أن الحياة لن تكتمل, أي لن تنتهي الأسئلة,  إلّا بالاكتمال الآخر , باكتمال الموت.

حين كان يمشي ببطءٍ مشرعاً قلبه لقنّاص لم تختبر قلبَه النساء, في تلك اللحظات القليلة بينما يستعجله المقيمون خلف السواتر الآمنة, وهو يمشي خفيفاً خفيفاً بلامبالاة كاملة, حين تساوتْ لديه الاحتمالات , إذ ذاك , و إذ ذاك فقط , شعر بالحرية الكاملة , شعر بالاكتمال الوحيد الذي لن يهبه له حتى الموت.

__________

لماذا نقصّ ؟

لأنّنا متشابهون بشكلٍ مرعب…و مضحك في الآن نفسه.

متشابهون , ولا نملّ من أن نكرّر أخطاءنا و هفواتنا و خيباتنا , نتشابه حتى في تفاصيل الفرح و طقوس الحزن , هل تعلم ما هو أكثر عرياً و انتفاءً لذاتيّة الذات من أنّ هناك من يحزن مثلك ؟!

و لهذا كان مبنى القرآن على القصص , لأنّنا متشابهون لا في اللحظة وحدها ,  وإنّما في التاريخ , كينونة الإنسان نفسه تتناسخ و تغيّر وجهها و تفاصيلها ربما , لكنّها لا تملّ من الوجهة القديمة نفسها للنسيان .

نمشي على خيط رفيع من لغة تتشابه مفرداتها , و بوجوه غضّنها تقليد مشاعر الآخرين الذين لا نعرفهم , و بأيدٍ تعبتٍ من التمسّك بالحبل الدقيق الخشن للأمل السراب , و قلوب لم تتعب رغم الخيبات الكثيرة من رؤية الماء في الصحراء.

في كلّ منّا ثمّة آدم قام من العدم بنفخة خلق واحدة , و تلا الكلمات بزهوٍ ,  ثمّ نسي الكلمات … و ضيّع جنّته , و في كلّ منّا سامريّ ترك الإلهيّ الأجلّ و التحق بالذهب التراب , فقضى على نفسه ألّا يمسّ الوجود … و يتيه .. و يتيه .

5

لمساء آخر هذا المساء

لماذا أرسلتِ لي هذه القصيدة بالذات؟! , ربما تجيبين كان القدر .

مسكين هذا القدر , كم يحمل عنّا من خيباتنا , ولكنّه يصرّ على أن يشبهنا و يسايرنا في لعبنا الأبديّ على الصراط الدقيق للنسيان.

ربما كانتْ قدرَنا يا حبيبة.

تعرفين لماذا كتب درويش هذه القصيدة , لا لأيّ شيء إلّا للغة , ليس ثمّة معنى متضمّن فيها سوى أنّه أراد إثبات أنّ للغة وحدها جماليّة قصوى منعزلةً عن المعنى , و كان له ذلك.

ربما كانت اللغة السبب , كنّا لغويّين جدّاً , أخذتْنا اللغة منّا , ليست أحرفها – الأمة كما يقول ابن عربي- ولا أنّنا استحلْنا إلى كلمات , و إنّما لأنّنا جارينا توق اللغة للكمال , و اتسقْنا فيه , أصبح ما بيننا كاملاً … كاملاً جدّاً … أكثر من أن تسمح الحياة الناقصة أن يعيش.

لمساء آخر هذا المساء , محكومون دوماً بالمؤجّل , بما لا يأتي , بالأمل , بأن ننحاز للسراب حتى إن أدركْنا أنّه سراب حتى لا نفقد مسوّغ الرحلة, محكومون حتى في الراهن للآتي , الذي سيكون راهناً … راهناً جدّاً , أكثر من أن يحدث , لا تقف الساعات , كان علينا أن نكسر زجاج الرمل و نذروه في الصحراء و نهرب من عين الزمن قبل أن يخترع الإنسان ساعات الكهرباء.

لمساءٍ آخر هذا المساء , و لقلبٍ آخر هذا القلب , ولحكاية أخرى هذه الحكاية , و لحياةٍ أخرى كان على هذه الحياة أن تكون , ولوجعٍ آخر ستسلّم هذه الروح كنهها دون أن تنعتق من ربقة الهجير و انتظار عقارب الموت التي لا تجيء بينما تتلوّى مقيّدة تحت الشمس و وسط الكثبان السوداء الممتدّة إلى ما لا نهاية.

ثمّة دوماً ما لا ترتاح إليه الحياة , وهو أن تكتمل , و إلّا لماذا تستمرّ , ثمّة دوماً نقصان أصليّ في الحكاية , تتذكّرين دروس الفيزياء , تتحرّك الطاقة بين الأعلى و الأدنى ,ولكنْ إن كان الجهد واحداً فلا طاقة ولا حركة ولا شيء يستحقّ أن يُدرس أو يُعاش , الحياة دوماً هي هذا السعي الموصول لإتمام النقص الأزليّ الذي لا يتمّ.

  لمساءٍ آخر هذا المساء, ثمّة ما يسيل القلب منه , و ثمّة ما يتفتّت فيه القلب , بين النهر و الصخرة يتردّد ألمُ الكائن البشريّ, ولكن ما الذي يشبه القيامة و اكتمال الجزع؟! , إنّه هذا البركان الآن ,أن تسيل الصخرة , هذا التناقض المكتمل المدهش للحِمَم هو الذي يواجه منطق الحياة في أقسى و أقصى غضب الوجود عليها , يعارك البركان الحياة في منطقها نفسه, متسقاً كمتناقض , واضحاً كمبهم , ولكن قاتلاً غاضباً دون تردّد رغم ذلك .

نبحث عن مدنٍ لا تعرفنا , مدن تحمينا من الذكريات , عن أرصفة طويلة نمشي فيها متعبين….و غرباء , مرتاحين من خدر الوهم أنّنا سعداء و طيبون و محبّون , مسلّمين بضياع السراب, عن شطآن تمتدّ نحو العتمة بلا انتهاء , عن شتاءٍ قاسٍ يلاحق أجسادنا بالبرد و الصقيع حتى يعرّيها , نبحث عمّا يشبهنا , عن غربةٍ واضحة ,عن أن نكون وحدنا في تيه نختاره قبل الحياة ,عن أحضان لا تعدُنا بالحياة الآمنة, عن مرايا تنسانا سريعاً , عن أعين تبكي دون لغة, عن هواءٍ قلق لا يهتزّ كما نفهمه أو نريده , عن كتابةٍ لا تتخيّل قارئها , بعدك عليه أن يبحث عن غربة … عن غربةٍ واضحة , لكي يشبه مصيره , لكي يشبه نفسه , بعد أن فقد بك ممكنه المكتمل الوحيد , و أضحى عارياً أمام غربته, لا يريد أن يترك الصحراء فلا أرض سواها, ولكن أن يقول للسراب إنّه سراب.

_____

تتذكّرين لوحة الخلق لمايكل انجلو , يدُ الإنسان العاري الممدودة بإصبع أوهنه الأمل نحو الله , و يد الله الممدودة نحوه من السماء , ثمّة مسافة قصيرة بين إصبع الله و الإنسان , هذه المسافة هي ما يقضي الإنسان حياته يسعى متعباً دون يأس ليعبرها , لكنّه لو تجاوزها و لمس الله حقّاً لانعدمتْ بشريّته و أضحى إلهاً , كينونة الإنسان و سرّ إنسانيّته و كنه حياته , في هذه المسافة الفاصلة بينه و بين يد الله الماثلة في الوجود , ولكنْ لو استيقظ هذا الإنسان العاري و مدّ إصبعه الواهن وقد انسحب المعنى الإلهيّ من سمائه , فما معنى كلّ ذلك …. ما معنى كلّ ذلك .

6

و الله أجلّ ممّا نعرف و أجمل ممّا يقولون

و الحياة ناقصةٌ دوماً لأنّ الأمل كامل

الإنسان ليس الحيّ الناطق كما عرّفه أرسطو , و هو كذلك ليس الحيّ الناطق المائت -بمعنى الآيل للموت- كما أضاف الكندي , الإنسان هو الحيّ الذي يعي كونه ميتاً معاً .

مهمّة الكوميديا لا أن تنافس التراجيديا , و إنّما أن تخفّف ثقل الحقيقة فيها .

عرفنا الأنبياء من الرجال لأنّنا قادرون على الاختيار أمامهم بين الإيمان و الكفر , كلّ فتاةٍ يوحى لها …

الندم ليس الاعتراف أمام المذبح , و إنّما هو اكتشاف الحياة المذبحة , الندم على عكس ما يُشاع حالة تصالح مع النقص الأصليّ في الحكاية لا حالة تصارع , و لكونه حالةً من التصالح بالذات فهو ممّا يسرّبه شعورنا بالموت … في الحياة وحده الموت الكامل .

عليك أن تحارب , لا لأنّ الحرب بذاتها أفضل بالضرورة , و إنّما لأن لا خيار أمامك سوى أن تكون سيّد احتمالك لا نتيجته , ولا تسأل لماذا أمام الآخرين الخيار , حين حاربتَ اخترتَ ألّا تكون أنت النتيجة , هم نتائج غضبك , و أنت علّة هذا الوجود ما دمتَ ممسكاً به من رقبة الخطّ الدقيق بين استمراره و نهايتك … نهايته

لماذا ستحبّ , بالضبط لأن لا سبب لذلك , و أنت عليك أن ترتاح من ثقل الأسباب , لكن أليس قولك هذا السبب تناقضاً في العبارة ؟! , صحيح لكن متى أخذتَ وعداً بامّحاء التناقض فاعلم أنّك في رحبة الموت وحده … و الحبّ سليل الحياة وحدها .. الحياة التي لا يمكن لها إلّا أن تتناقض و تنقص , و في هذه النقطة الفاصلة بين النقض و النقص لا يقبع الوجود كما تحبّ أن يقول لك المتصوّفة و الفلاسفة و إنّما وهمك .

ربما تأخّرنا , و انخدعْنا طوعاً إلى الخديعة التي خلقناها و أخفيناها عن أنفسنا , لكن البداية … تلك البداية المكتملة المقدّسة العذراء المستحيلة , قبل انقضاض الأشياء و تداعيها و تعرّينا أمام الهاوية و النقص و التناقض … تلك البداية اللعنة لا تكفّ عن البدء دوماً .

حين كنتَ في السفينة خيّرك الموج بين أن تنساق أو أن تسوق , حين أخذتك العزّة باللوح الذي يحملك انسقتَ إلى حفرة البحر واهماً أنّك القائد , ربما لو سلّمتَ -مرتاحاً لوجدك- إلى نسمِ الريح في الموج فيك لانسقت كماءٍ في الماء لمعراجك إليك , ولكن ما دمتَ تقول ربما فما الضامن ؟! , أيّها المسكين حين تريد أن تسوق الأشياء قهراً ستبحث عن قاهرٍ فوقها تدعوه الضامن , أمّا حين تتسق مع صدى الكينونة الذي تدعوه نفسك فقد صرتَ منها … أنت أنت منطق الحياة و قدرها حين تسلّم لضعف قلبك الأصليّ مقامَ عقلك الباغي , فمن يضمنك منك ؟!

لماذا ؟! , ما زلتَ تسأل بذات لام البداية … لم تتعلّم بعد

و الله أجلّ ممّا نعرف و أجمل ممّا يقولون

7

في طريق الليل

ضاع الحادث الثاني وضاعت زهرة الصبار

لا تسل عني لماذا جنتي في النار

جنتي في النار

فالهوى أسرار

والذي يغضي على جمر الغضا أسرار

يا الذي تطفي الهوى بالصبر

 لا باللّه

كيف النار تطفي النار؟

يا غريب الدار

إنها أقدار

كل ما في الكون مقدار وأيام له

إلا الهوى

ما يومه يوم…ولا مقداره مقدار

لم نجد فيما قطار العمر

يدنو من بقايا الدرب

من ضوء على شيء

وقد ضج الأسى أسراب

والهوى أسراب

كنت تدعونا وأسرعنا

وجدنا هذه الدنيا محطات بلا ركاب

ثم سافرنا على أيامنا أغراب

لم يودعنا بها إلا الصدى

أو نخلة تبكي على الأحباب

يا غريبا يطرق الأبواب

والهوى أبواب

نحن من باب الشجى

ذي الزخرف الرمزي والألغاز والمغزى

وما غنى على أزمانه زرياب

كلنا قد تاب يوما

ثم ألفى نفسه

قد تاب عما تاب

كل ما في الكون أصحاب وأيام له إلا الهوى

ما يومه يوم….

ولا أصحابه أصحاب

مظفر النواب

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

ثلاثة حكماء : ثلاث اقتباسات

1

الغزالي , نقد التنطّع

يقول الغزالي في التهافت ردّاً على محاولة بعض المتكلّمين إنكار تفسير الطبيعيّين للكسوف و الخسوف توهّماً منهم أنّ عليهم رفضّ كلّ ما يأتي به الآخر من خارج الشريعة حتى لو لم يناقضها , مؤكّداً على أنّ حيّز الحق الديني لا ينبغي تعليقه بالبحث الطبيعي -كما يفعل جمهور الإعجاز العلمي- ما لم تدخله أدلّة الدين نفسه في حيّزه بالقطع لا التأويل أو إن كان مناقضاً حقاً لأصول الدين و متعارضاً مع أدلّته , , مناقضة ابستمولوجية ظاهرة , و ليست على سبيل الرفض الثقافي و الهويّاتي المجرّد :

” هذا المعنى أيضاً لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض , ومن ظن أن المناظرة فيه من الدين فقد جنى على الدين ، و ضعّف أمره .
فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية، لا تبقى معها ريبة، فمن يطلع عليها و يتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين و قدرهما و مدة بقائهما إلى الانجلاء , إذا قيل له: إن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه ، وإنما يستريب في الشرع .
و ضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقة ، وهو كما قيل: عدو عاقل، خير من صديق جاهل . “

حقائق الاجتماع و السياسة “أحياناً” تشبه في هذا حقائق العلم , و عدمُ يقينيّة الحقيقة و تغيرُها في الأمرين – في العلم قبل الاجتماع – لا ينفي ضرورة التعامل معها .

 

2

الجاحظ , أصليّة الشرّ

نحتاج أن نعود إلى الإمام الجاحظ , و نترك طهوريّة الظنّ بالخير الأصليّ للإنسان و العالم , و نرتاج من سؤال الشرّ أو اعتباره معضلةً عصيّة على تفسير قلوبنا الطيبة .
لا شكّ أنّ الجاحظ لو ألّف كتاباً بعد مماته لكان سيبدؤه بالتهكّم و الضحك ممّن ترجم له فقال : إنّه كان يطلب العلم منذ نعومة أظفاره , أيّ نعومة يعرف ذلك الطفل الذي كان يمشيي حاملاً سلّة السمك على ضفّة دجلة طيلة يومه , حتى يدفع للورّاقين في الليل كي يقرأ من كتبهم !؟

و لست أشكّ أنّ تسليم الحاحظ بأصليّة الشرّ و حكمته في الحياة , تعود أوّلاً -قبل محاكمته العقليّة للأمر- إلى محاكمة نفسيّة تنظر بسخرية إلى علماء البصرة و الكوفة المترفين الذين لم يعاركوا الحياة و يجرّبوا شظف الحرمان من المال كما جرّبه , ولم يكونوا كذلك بمثل حظّه القليل من الجمال حتى يجرّبوا الحرمان من الأنوثة كما جرّبه تحت شمس الصيف و بينه و بين نظرات و لمسات الفتيات على ضفاف دجلة و أسواق البصرة فقر الجيب و قبح العينين .

ولكن هل خسر الجاحظ حقّاً , لقد ربح اللغة , و رسم ذاك المجتمع الذي كان يبيعه السمك المالح من جديد بالكلمات , كلّ من شوى سمك الحكيم في قصره مات و نُسي , و كلّ من رفضت أن تمسك الأصابعُ الملطخةُ بالملح و الحبر يَدَها انشغلت بخدمة الزوح و تنظيف الأبناء و ماتت و ضاع دمها بين المقابر , ما الذي بقي من كلّ ذلك إلّا ما كتبه الجاحظ ؟!

كان الجاخظ مثلنا جميعاً , نحن الذين نشأنا على كتبه , ممتنّاً للورق و المعرفة , هذا ما لا يفهمه من لا يشعر بالرومانسيّة و الجماليّة القصوى لأن تموت مدفوناً تحت كتبك .


اعلمْ أنّ المصلحة في أمر ابتداء الدّنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ ، والضار بالنافع، والمكروه بالسار، والضعة بالرفعة، والكثرة بالقلة. ولو كان الشر صرفاً هلك الخلق، أو كان خيراً محضاً سقطت المحنة، وتقطعت أسباب الفكرة. ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة.

ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبُّت وتوقف وتعلُّم. ولم يكن علم. ولا يعرف باب التدبير، ودفع المضرة، ولا اجتلاب المنفعة، ولا صبر على مكروه، ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظفر، وعز الغلبة، ولم يكن على ظهرها محق يجد عز الحق، ومبطل يجد ذل الباطل، وموفق يجد برد التوفيق، وشاك يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم، ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعبها الاطماع … فسبحان من جعل منافعها نعمة ومضارها ترجع إلى أعظم المنافع … وجعل في الجميع تمام المصلحة وباجتماعها تمام النعمة “
كتاب الحيوان , الجاحظ

 

3

البيروني , في مديح الريحان

 

لديّ حبّ غريب لهؤلاء الذين قضوا حياتهم منشغلين بإنسان واحد , يبحثون مشروعه و يحقّقون كتبه و يشرحون نصوصه و يعيدون موضعته و تأويله في إشكالات أوسع ممّا سمح به عصره , إنّهم يعيدون كتابته و خلقه بمعنى أو بآخر .
مثل ماسينيون مع الحلّاج , و , أو ساخاو مع أبي الريحان البيروني , أو أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري مع ابن حزم , أو عبد العظيم الديب مع الإمام الجويني , أو ابن رشد مع أرسطو , و كثيرٍ غيرهم .

بالنسبة لـ ساخاو , فإنّ أبا الريحان البيروني كان أعظم عقليّة عرفتها البشريّة , و لم تكن منزلة أرسطو لدى ابن رشد أقلّ من الأنبياء بحال بل لعلّها أرفع , الأرجح أنّها كانت طريقة متوارية ليقول ساخاو -و غيره- إنّه هو أعظم عقليّة سمحت بها البشريّة في عصره ما دام يبحث في أعظم عقلية عرفتها البشرية عبر العصور , عدا عن أنّ البيروني ابن الشرق كان أوّل من مارس الاستشراق حقّاً , ما يجعل إعجاب ساخاو به متكامل الشبه , أن تشعر بالعظمة يعني أن تبحث عن الشبه , حتى في الدين أغرم الإنسان بالقول إنّ الله خلقه على وجهه .
تنازعت نسب البيروني القبائل , ينسبه الهند إليهم , و السوفييت – باعتبار مولده يقع الآن في أوزبكستان , و الفرس , و الترك , و بالضرورة العرب كذلك بحكم أنّ مؤلّفاته بلغتهم , رغم أنّها لم تكن لغته الأمّ , و إن كانوا يحملون حجّة قويّة عدا ذلك بسبب كلمته الشهيرة حين قال إنّه لو يُهجى بالعربيّة فذلك أحبّ إليه من أن يُمدح بالفارسيّة .
هل تكون كلمة واحدة أكثر دلالةً من حياة ؟! , كثيراً ما نمارس ذلك بشكل واعٍ , و هل مهمّة الكتابة إلّا أن تغطي بالكلمات عورة التاريخ ؟!

أن نلمس العظمة يعني أنّنا امتدادها , أنّنا وجهها الحيّ و تجلّيها الأمثل , حتى لو نافسنا في ذلك اللامسون , فكيف حين تكون وحدك المصلّي في المحراب !؟

ولكنْ أبو الريحان البيروني شخصيّة نادرة فعلاً , ليس أعجب ما فيه موته , حين ألحّت عليه مسألة بينما كان يحتضر و الأطبّاء و أهله و تلامذته حوله فطلب عالماً أو كتاباً ليعرف إجابتها , و لمّا استغربوا قال لهم ببساطة و هدوء إنّه يفضّل أن يموت وهو يعرفها على أن يموت وهو يجهلها .
قلق المعرفة لدى أهلها هو السكينة الغائبة عن صخب الحياة اليوميّة لدى أهلها , الصخب الذي يراقبه الحكيم من بعيد ليراه هادئاً مملّاً و مزعجاً , ناكصاً إلى بحثه الأزليّ عن صوت الحياة و دليل استمرار الزمن بين الكتب .
وإنّما العجب في حياته , سواءٌ حين كانت أمّه الأرملة تبيع الحطب وسط ثلوج خوارم كي تشتري له الحبر أو حين اتصل بالملوك و أصبح رفيق محمود الغزنوي أحد أكثر ملوك التاريخ الإسلامي في الشرق جلالةً و سلطة و فتوحات .

لم يكتف البيروني ان يكون موسوعة عصره في الطبيعيّات بما تشمل من الكيمياء و الفيزياء و الجيولوجيا و الجغرافيا و الفلك و يكون له نظرياته و كشوفاته و اختراعاته السابقة في ذلك , و في الطبّ و الرياضيات أداته المعشوقة الدائمة , و أن يكون له آراء متقدّمة و مبدعة في مشكلات علم الكلام و الفلسفة , و أن يكون أعجوبةً في معرفته باللغات و إتقانه للترجمة و قدرته على الإبداع فيها بالسنسكريتية و الفارسية و التركية و العربية و اللاتينية و غيرها (ربما كان أوّل من ترجم الفلسفة الإغريقية من العربية للسنسكريتية ) , و أن يكون مؤرّخاً له نظريته الخاصة في فلسفة التاريخ عدا عن بحثه التاريخي الذي يقترب من أن يكون دراسات انثروبولجية متكاملة كما وصفه المستشرقون , و أن يكون شاعراً و لغويّاً شارحاً لموسوعات الأدب , عدا عن عقليّته المفكّرة المتفلسفة التي تفترق بشكل واضح عن المعتاد المكرّس للعلماء في النسق المعرفيّ لعصره , فإنّه كان له اهتمام غريب لم يُسبق إليه و ألّف فيه أضخم كتبه , و هو الهند , أقام البيروني أربعين سنة يرافق محمود الغزنوي في غزواته للهند يدرس لغاتها و أديانها و أدبها و حكمتها و حتى أطعمتها و يناظر حكماء الهند , حتى أنجز كتابه : “تحقيق ما للهند من مقولة , مقبولة في العقل أو مرذولة ” .

لاحظت على نفسي منذ فترة أنّني أعلن دائماً حبّي للريحان , و أطلب إضافته بشكل خاصّ على الأطعمة , الإيطالية منها بالذات , حتى اللاوعي المشتهي له طرقه في إعلان تحيّزاته الحكيمة , أو في التغطية على الخيبة أمام من يشعروننا بالتوق لأن نشبههم ولكنّنا نصطدم بواقع أنّنا لن نصل , كثيراً ما نأكل – أو نفعل اشتهاءات أخرى – بنهمٍ و عنف كي نشغل وعينا عن غضب آخر … عن غضب عاجز لا إمكان له .

أحد الاقتباسات التي أغرتني بالتوسّع في معرفة البيروني , عدا عن قصّة طلبه للكتاب وقت احتضاره , هو كلمةٌ في نقد الترجمة الفلسفيّة , و التي يرى أنّها أسهمت في إبعاد الفلسفة عن الحيّز العامّ و أتاحت لمن لا يعرفها أن يحرف مقاصدها , عدا عن تسبّبها بعزلة المشتغلين بها عن المجتمع , يقول :

” وها نحن نراهم يستعملون في الجدل و أصول الكلام و الفقه طرق القول , ولكن بألفاظهم المعتادة فلا يكرهونها , فإذا ذكر لهم اياغوجي و قاطيغورياس و باري أرمنياس و أنولوطيقا , رأيتهم يشمئزون عنه و ينظرون نظر المغشي عليه من الموت , و حقّ لهم , فالجناية من المترجمين , إذ لو نقلت الأسامي إلى العربية فقيل كتابُ المدخل و المقولات و العبارة و القياس و البرهان , لوجدوا متسارعين إلى قلوبها , غير معرضين عنها “
أبو الريحان البيروني , تحديد نهايات الأماكن

 

Posted in Uncategorized | تعليق واحد

جهاد ابن الفارض و أزمة الإسلاميين

في ثورة الثمانينات كان أبو الجود يغنّي لابن الفارض , و بصوته نفسه ينشد للجهاد .

هذا الامتزاج العضويّ و العفويّ بين الحبّ و الحرب في الذات الإسلاميّة , و بالضرورة في المشروع الإسلامي نفسه , هذه الممارسة المكرّسة للفنّ باعتباره قيمة إسلاميّة لا تنفي الانشغال بالدين ولا التخلّي عن واجب إصلاح الدنيا , بل تؤكّد عليهما دون أن تفقد جماليّتها و إبداعها الفنّي العميق , تذكّر بتنظير بيجوفيتش للأصل الدينيّ للفنّ و للوحدة ثنائيّة القطب بين المادة و الروح التي استطاع الإسلام حلّ تناقضها و الإيفاء بمتطلّبات جوّانيّة الإنسان و حاجات الحياة البرّانيّة , و التي جنى عليها كثير من الإسلاميين أنفسهم حين اختزلوا الإنسان إلى قطب أحاديّ متخيّل , إمّا أن ينسحب إلى ذاته و أذكاره , و إمّا أن يحتكم إلى الجماعة و يتبعها كضرير , مع تهميش حاجة الإنسان الأصليّة للمحبّة و الجمال و الفنّ تماماً كحاجته إلى العبادة و الحرية و الأخلاق .

 فقد الإسلاميّون الحركيّون التقليديّون تصوّرهم للأمّة كمجتمع و ذوات إنسانيّة , و لم يعودوا يتخيّلون إلّا جمهور المصلّين الباحث عن إمام , و يسعون لنفي أيّ صفة عنهم غيرها , و أفقدتهم القدرة على الصدق و ألجأتهم إلى تكريس شكل من النفاق في التربية حين يختزل صورة الإنسان إسلاميّاً إلى بعد واحد فيه و ينفي عنه تعدّده الإنسانيّ الفطريّ , ما يعلمن الإسلام حقّاً و يجعله غير قابل للحضور في الحياة التي ترفض هذا المثاليّ الأحاديّ إلّا بتجاوزه , و هذه مشكلتهم الكبرى الآن , و التي تجعلهم منعزلين عن إنتاج المعرفة -بمعناها العامّ- أو القدرة على صوغ الرأي العامّ على المدى البعيد , إذ فقدوا إحساسهم بأنّ الإنسان كما يصلّي و يصوم عليه أن يحبّ و يطرب و يشعر بالجمال , دون أن يدخل ذلك في جدل الإثم و الأجر بقدر ما أنّ الإنسان لا يمكن أن يكون إلّا كذلك .

 هذه المشكلة على مستوى الفنّ هي ذاتها على مستوى الثقافة بتعريفها العامّ , إذ نجدهم عاجزين عن وعي الأدب أو الفلسفة أو البحث العلميّ من داخله , و دوماً ما يلجؤون لإلباسه ثوباً خارجاً عنه في عمليّة من الأسلمة السطحيّة , التي لا تعي أنّه لا يمكن مقاربة الأدب إلّا بأدوات الأدب نفسه و أنّ توجيهه و رساليّته و محاكمته تكون بإتقان هذه الأدوات لا بتجاوزها , الرسالة نتيجة لإتقان الأداة و ليست هي الأداة ذاتها , الأمر نفسه ينسحب على الصحافة و الأكاديميا و السياسة , و بقية مساحات إنتاج المعرفة , ما جعل هناك غلبة علمانيّة على النخب المنتجة بالضرورة – كنخب- لصورة المجتمع الخارجيّة أو التاريخيّة و القادرة على إنتاج الرأي العامّ و الإدارة السياسيّة و الإعلامية و حتى الدينيّة للصراع الايديولوجي , هذا يتضح في دولة كمصر بشكل كبير , أي أنّ الأقلية المجتمعيّة بحكم كونها الأغلبيّة النخبويّة تصبح هي المسؤولة عن صورة المجتمع و تاريخه , و هذه ثنائيّة نادرة .

 أي أنّ الإسلاميين في اختزالهم تحقيق الإسلام إلى وجوده كسلطة تطبّق الشريعة و حسب , لم يعجزوا فقط عن وعي المجتمع و حاجاته الإنسانيّة المتعدّدة إلى الثقافة و الفنّ و الأدب و اختزلوه إلى جمهور من المصلّين الباحثين عن إمام , و لا عن وعي المعرفة و قيامها على وعيها من داخلها و بأدواتها كذلك فاختزلوا كلّ بحث معرفيّ إلى جدل الحلال و الحرام و إلى صراع موهوم و سطحيّ لإثبات حقيقة الإسلام فيما لا ينفيه حتى , بل عجزوا أيضاً عن وعي السلطة نفسها و قيامها على تحالف النخب بالضرورة .

هذه السيرورة المتصلة و المتتالية , من الاختزال و إساءة الفهم و الآيلة بشكل طبيعي إلى العجز , بدأت أوّلاً من استغراب أحدهم من أنّ من يغنّي لابن الفارض ينشد للجهاد في الوقت نسه .

Posted in Uncategorized | تعليق واحد

نقد الديمقراطية أم رفض الأمّة ؟

من المفهوم و المطلوب انتقاد الديمقراطية في أحد أشكالها باعتبارها لا تسهم في تمثيل الناس تماماً , و إنّما في تمثيل مصالح فئويّة بحكم آلية الانتخاب المعتمدة على الدعاية و الترويج , و هذا انتقاد إسلاميّ أصيل للبحث عن شكلٍ أكثر عدالةً و تمثيلاً للأمّة و أكثر ديمقراطيّة , إن عرّفنا الديمقراطية بجوهر تمثيل الناس , لا باستنساخ إجراءات و قوانين و زرعها في بيئة غير بيئتها , و هذا ينطبق على شكل من الديمقراطية الليبرالية و الحزبية , و ليس انتقاداً لجوهر الديمقراطية , و الديمقراطية كمصطلح ليس مقدّساً و لا مطلوباً بحدّ ذاته و بالبداهة ليس مرفوضاً لنفسه كذلك , فالمهمّ هو جوهر تمثيل الأمّة و منع استبداد الفرد , و يمكن تطوير نظامٍ من الإجراءات انطلاقاً من مبدأ الشورى الذي لم يتطوّر عنه أيّ نظام بعد , ولا مشاحة في الاصطلاح .

لكن انتقاد الديمقراطية الذي يعلّق رفضه للديمقراطية على نقطة الانتخاب و التمثيل فيها بالذات ,  و يعمّم رفضه باعتبارها كفراً و يسحب ذلك على جوهرها و إجراءاتها و نتائجها , بحيث يصبح تخيّل أيّ اختيار للناس و إقرار بمرجعيّتهم مرفوضاً لأنّه ديمقراطي و الديمقراطية كفر , , هو تعميم متهافت و ايديولوجي بمعنى الايديولوجية الشعاراتية و التي تقدم وعياً زائفاً , و يغيّر النظر عن حقائق الأمور و تفصيلاتها , و يعيدنا لذات نقاش علي بن أبي طالب مع الخوارج , ولا حلّ بهذا الرفض الذي يسحب رفضه لاستيراد نموذج غربي إلى رفض فكرة حقّ الناس في الحكم و تمثيل أنفسهم إلّا بالانتصار للاستبداد و الحكم القهري و تخيّل أنّ هذه هي الطريقة الإسلامية في الحكم , لكن الخلاف فقط حول صلاح هذا المستبدّ أو فساده .

و هذا اختزال و تشويه للإسلام , حين يصوّر كنصير للاستبداد و مانع لاختيار الناس حاكمهم , و تجاوز لا للقرآن و السنّة و تراث الفقه السياسي الضخم و حسب , و إنّما تجاوز للمسلمين أنفسهم , و اعتبارهم مجرّد مواضيع للحاكم الذي يضحي محلّ الشرعيّة الإسلامية و الأمّة مجرّد موضوع تابع له , و هذا التجاوز في مآله ينزع التكليف عنهم الذي كانو ا به مسلمين قبل كلّ شيء , أي أنّه ينزع الإسلام عن المسلمين و يضعه في الحاكم وحده , بحيث يكون هو المسلم الوحيد حقّاً .

أحاديث قليلة في السنّة تلك التي تتكلّم عن الحكّام , بينما كان الخطاب موجّهاً في تطبيق الإسلام دوماً إلى المسلمين , الذين هم محلّ تحقيق “الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر” , و هم الذين لا يجتمعون على خطأ , و هم الذين يكونون شهوداً على العالم يوم القيامة .

و حتى في مرحلة “الملك” التي تلت “الخلافة” لم يستطع الفقهاء السياسيّون -رغم سيادة آليّات التوريث في الحكم و هيمنة العائلة على الدولة المهيمنة بدورها على القوّة و القدرة على العنف- إلّا تأكيد مرجعيّة الأمّة كشرط أوّل في تنصيب الحاكم لا شرعيّة للحاكم دونه , و ذلك بشرط البيعة و إجماعهم على أنّ الحكم لا ينعقد بالوراثة –كما يقول ابن حزم- و إنّما بموافقة الناس و بيعتهم للحاكم , مع محاولتهم وضع أسس قانونيّة تحتوي النظام السياسي القائم و تضع حدوداً له بدل أن ينفلت في فوضى لا حدود فيها , لم تكن مؤلّفات الفقه السياسي شرعنةً للاستبداد و فساد النظام السياسي بقدر ما نبعت من شعور بالمسؤوليّة الأخلاقيّة عن وضع أساس قانوني للدولة يحافظ على شرعيّتها و يمنعها باعتبارها شرعيّة من أن تنفلت عن المحدّدات الشرعيّة و تأخذ مدى أوسع في الاستبداد و القهر إن ظنّت أنّها في وضع فوضى ولا شرعيّة فيجوز ان تفعل أيّ شيء , فلم تكن تنفصل النبرة الوعظيّة النقديّة في التأليف السياسي عن النبرة الفقهيّة التنظيميّة  , و هذا أحد الأمثلة الأهمّ لطبيعة التشريع الإسلامي و حداثته الدائمة بطبيعة مهمّته في احتواء الوضع القائم و وضع حدود قانونيّة له و إصلاحه من خلال ذلك , و هذا التشريع (المرجعية القانونية و القضائيّة ) لم يكن يوماً في ملك الدولة  و إنّما استمرّ إعادة إنتاج الأمّة لنفسها قانونيّاً في حيّز العلماء , أي في حيّز الأمّة أو الشعب , دون تعميم ذلك على مجمل العلماء , باعتبار اختلاف سياق العلاقات بين المؤسسة السياسية و المؤسسة الدينية و التيارات المختلفة الممثّلة لها في أزمنة التاريخ الإسلامي العديدة , و هذا بحثٌ واسع .

إنّ انتقاد أحد أشكال الديمقراطية , كما هو انتقاد دستور حزب التحرير أو فهم القاعدة لموضوع الدولة مثلاً , أو غيرها من تصوّرات النظام السياسي , ينبغي أن تكون انتقاداً لتفصيلات انحرافها عن تمثيل الأمّة و تحقيق مقاصد الإسلام في العدل و حفظ الحياة و الإصلاح و إعمار الأرض و تحقيق شرع الله حقّاً , لا انتقاداً شعاراتيّاً سطحيّاً ولا معرفيّاً يعيدنا لمعركة الشعارات بدلاً من جوهر النقاش المطلوب في بحث النظم و الإجراءات , و بناء تجربتنا الخاصّة لا التكرار السطحي لمصطلحات كالخلافة أو العلمانية أو الديمقراطية أو أهل الحل و العقد أو غيرها دون فهمٍ لمضامينها أو استيعاب لعلّة رفضنا أو قبولنا بها .

إنّ الديمقراطيّة إن عنينا بها تمثيل الأمّة و منع استبداد الفرد , فيها من الإسلام أكثر ممّا فيها ضدّه حتى لو اخترنا اسماً آخر لهذه الإجراءات , ولا يقبل الإسلام أيّ حكم يهمّش فيه اختيار الناس و يُفرض بمعزلٍ عن إرادتهم و قهراً فوقهم , و إلّا كان علينا أن نمسح آيات العدل و خطاب الأمّة في القرآن , و ألّا ندّعي كون الإسلام دين كرامة الإنسان و إعمار الأرض .
لكن الإسلام يرفض الديمقراطية التي تمثّل شكلاً من الحكم القهري على الناس حين لا تكون مجرّد إجراءات ناظمة للتمثيل الحقيقيّ و إنّما تفرض معها نخبتها و مآلاتها و قوانينها و نموذجها الوافد المستورد باعتبارها إجراءً خاصّاً بنخبة اقتصاديّة أو ثقافيّة أو سياسيّة , و رفض الإسلام لهذا الشكل المستورد من الديمقراطية هو لذات العلّة التي يرفض لأجلها الاستبداد , و لا يمكن لأحد نسيان خمسين عاماً من الديكتاتوريات المدعّمة بسلسلة من مصطلحات الحداثة و العلمنة و التنوير و حتى الديمقراطية , و لم تفرز لنا سوى عقود من القهر و تشويه التاريخ , لأنّها فرضت نفسها كعدوّ لهويّة الناس و انتمائهم الإسلامي قبل أيّ سبب آخر , الأمر نفسه الذي تحاول بعض الحركات الإسلاميّة الآن تكراره دون وعي … أو بوعي .

ليس مطلوباً القبول بالديمقراطية ولا رفضها , المطلوب تجاوز رُهاب المصطلحات , و الاتفاق على أنّ تمثيل الأمّة و مرجعيّتها في الحكم شرطٌ إسلاميّ أصيل ليكون الحكم شرعيّاً , و الإقرار بأنّ سياق كلّ مجتمع و زمنٍ يحتاج نظاماً للوصول إلى هذا التمثيل مختلفاً عن غيره , و أنّ استيراد النظم لمجرّد غربيّتها و رفضها لذات العلّة كلاهما ينطلق من موقف هزيمة حضاريّة لا من موقع الثقة و القدرة على تبيئة إنجازات الآخرين إن كان ممكناً الإفادة منها في مشروعنا الذاتيّ خاصّة ما دمنا متجاوزين القلق الهويّاتي المصطنع و ما دامت هذه التجارب – في غير مصطلحاتها – لم تعد إنجازات الآخرين حقّاً .
و لسنا ملزمين باستيراد أيّ نموذج بكامل علله بقدر ما المطلوب الإفادة من نظامٍ إجرائيّ لتحقيق غاية تمثيل الأمّة و تحقيق نظامٍ من العدالة مانعٍ للاستبداد , حين تكون هذه الإجراءات مفيدةً حقّاً , دون أن يتعارض ذلك مع أنّ نموذج الحكم و محدّداته و شروطه و أسس التشريع و مصدره و غاياته هو نموذجنا و بمرجعيتنا الخاصّة , ما دمنا على أرضيّة واثقة و صلبة و مكتملة الرؤية , ولا يهدّدها الإفادة من إنجازات إجرائيّة حداثيّة ما دمنا نعيش في هذا العالم لا منعزلين عنه و ما دام رفضها لمجرّد حداثتها انطلاقاً من توثين للحداثة أيضاً .
______

خطب عمر بن الخطاب :

“إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول و الله لو قد مات عمر بايعتُ فلاناً , فلا يغترّنّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً و تمّت , ألا و إنّها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرّها , و ليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر , من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا “

قال ابن الأثير : “و فى الكلام مضاف محذوف تقديره : خوف تغرة أن يقتلا , أي خوف وقوعهما في القتل”

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

هل توحد دولة العراق ثوار الشام ؟

لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

أكاد أؤكّد أن كلّ الخلافات التي أحدثتها دولة العراق و الشام في الفترة الماضية في معظم مناطق وجودها من قتل قائد كتائب العز في الساحل إلى طرد الجيش الحر من الدانا في ريف إدلب و السيطرة عليها إلى الاشتباك مع أحفاد الرسول و تفجير مقرهم في الرقة إلى مقتل أبو عبيدة البشي المسؤول في حلكة أحرار الشام الإسلامية إلى اجتياح اعزاز و السيطرة عليها إلى محاولات اقتحام قربة حزانو الأخيرة , و التي حرفت بوصلتنا قليلاً عن معركتنا الأهمّ -و التي يفترض أن تكون الوحيدة الآن- أمام النظام , ستؤدّي إلى مزيد من التوحّد و التنسيق في العمل الثوري و مزيد من التماسك للمشروع الجهادي حتى بين من كانوا لا يتعاونون معاً في الأمس القريب , و أعتقد أنّه يمكن توقّع تحالفات و جبهات أكبر و أكثر تنظيماً و وضوحاً في رؤيتها في الفترة القريبة القادمة , و بدأت بوادر ذلك تظهر .

تمّ عقد اجتماع يوم الأحد 22-9-2013 في مدينة حلب دعا إليه لواء التوحيد و شاركت فيه معظم القوى العسكرية و الجهادية الكبرى بما فيها حركة أحرار الشام الإسلامية , لمناقشة موضوع الدولة , و الاتفاق على خطوط عريضة للتعامل معها , الاجتماع الذي يشير الكثيرون إلى أنّ نتائجه ستكون دليل مرحلة قادمة جديدة كليّاً .

أدّت مشكلة الدولة إلى استهلاك كثير من الطاقات في صراع خطابي حادّ و متخيّل في شقّ كبير منه , و غطّى على الكثير من حقيقة الوضع و القوى على الأرض  , و زاد من حساسيته و تأزّمه تصويره كصراع إسلامي/علماني بينما في الحقيقة هو صراع إسلامي/إسلامي تشكّل الحركات الجهادية فيه أوّل الأطراف المتضرّرة من الحركة الجهادية الإشكاليّة , عدا عن تغطية الخلاف المنهجي الشرعي القائم بين الحركات الإسلامية نفسها , و الذي رأينا أنّه قد يصل أحياناً حدّ استباحة الدم لولا أنّ توازن القوى على الأرض يمنع من تفاقم الوضع ومن قدرة جهةٍ واحدة على أن تأخذ خلافاتها إلى المدى الأقصى عسكريّاً , هذا التوازن نفسه الذي يضرّه وجود معارك جانبيّة بينما هو منشغل في معركة مواجهة رئيسيّة و مهدّدة متمثّلة بالنظام , و الذي سيدفعه هذا الإرباك الطارئ إلى اتساقٍ أكبر في صفوفه لإعادة الاتزان اللازم لوضع المواجهة , هذا الإرباك الذي يبدو أنّه بلغ أوجه مع إغلاق معبري باب السلامة و باب الهوى بعد اقتراب دولة العراق و الشام منهما ما يعني حصار الشمال السوري بما يعنيه من إضرار مباشر بجميع القوى العسكرية المقاتلة لنظام الأسد إن استمرّ .

 و ما ينبغي الطموح إليه و إن كان ما زال صعباً في الوقت االحالي ولكن ينبغي تذكّره كهدف , هو أن نرتاح من المهزلة السياسية الفجة التي نعيش فيها منذ سنتين , و أعني مسرحية التمثيل السياسي للمجالس التي شكّلتها فيما بينها نخب سياسية هرمة و متخيّلة و ليست فاعلةً في الحراك الثوري ما أدّى إلى أن تكون هذه المجالس قائمةً من أجل تمثيلها لا لتمثيل الثورة التي أضحت شبه ملحق ثانوي في بنية المجلس الوطني أو الائتلاف , و أن تعود الأمور لطبيعتها بحيث يكون هناك جسد سلطة ممثّل للثورة و وليد لتحالفاتها و تطوّرها من داخلها لا من داخل أروقة الدبلوماسيات , بحيث يكون لجسد السلطة الوليد هذا الشرعية الحقيقية و القدرة على الفعل و التأثير باعتبار مؤسسيه هم من يمتلكون زمام الفعل و التأثير في المشهد الثوري من داخله  , بديلاً عن الشرخ العميق القائم و المعبّر عن الانفصال الفجّ ما بين الجسد السياسي الممثّل للثورة و ما بين الثورة نفسها .

كان هذا نتيجة إهمال بداهة و ضرورة أنّ المجالس الممثلة عن الثورة حتى تكون جزءاً من جسدها الحيّ يجب أن تظهر كنموّ عضويّ طبيعيّ فيها , لا أن تُقحم في هذا الجسد كزراعة الأعضاء من قبل أطبّاء شكليين لا يتقنون مهنتهم  .

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً

رسالة نصح لدولة العراق و الشام

قال المعلم في مؤتمره إن الضربة من مصلحة إسرائيل و القاعدة .

في الحقيقة و بين الفصائل المقاتلة في سوريا جميعاً – و من ضمنهم نظام الأسد نفسه – فلا أحد لديه عقيدة صلبة تجاه أمريكا كعدوّ مثل القاعدة , ولا أحد يؤمن و يحلم بإيذاء أمريكا و إسرائيل مثل القاعدة , بعيداً عن خزعبلات البحث السخيف عن أصل مخابراتي سوري أو أمريكي للقاعدة .

الأرجح أنّه ستكون هناك ضربة أمريكية للقاعدة في سوريا , سواءٌ بشكل مباشر بقوّاتها هي , أو بشكل غير مباشر بواسطة تحالفات السعوديّة , عدا طبعاً عن استعداء القاعدة للسوريّين بنهجها الذي يزيد سوءاً و تصلّباً يوماً بعد يوم , أي أنّ هناك اشتباكات ستحصل مع القاعدة حتى لو يتدخل أحد .

يحبّ أنصار القاعدة أن يغذّوا سرديّة “الغربة” و الحصار و المظلوميّة , هذا يدفعهم لألّا يروا مشاكل حقيقيّة تؤدّي لمعاداة الناس لهم بمنطق لا علاقة له بكلّ اتهاماتهم لمن يخالفهم بالعمالة و الردّة و كره الإسلام … الخ

على القاعدة أن تتصالح مع المسلمين , و تحاول التفكير خارج “عقدة الصحوات” , و كأنّهم معيار الحقّ و الباطل , و كأنّهم هم المجاهدون الوحيدون و الباقي يلعب , هذا يكرهون سماعه و فوراً يتهمونك أنّك تكره القاعدة و لا تعرفها و تستجيب للإعلام المشوّه عنها .
هناك إعلام مشوّه و مفترٍ و كاذب حول القاعدة , هذا دوماً نؤكّد عليه معهم و نشجبه و نحذّر منه , لكن هذا لا يلغي أن تصرّفات القاعدة – و أعني هنا دولة العراق و الشام خاصة- هي المسؤول الأوّل عن تشكيل رأي عامّ ضدّها , هذا الرأي العامّ و حالة الحنق عليها تبدأ من الإسلاميين قبل غيرهم , لأنّ تفكير الطائفة الناجية يحاول أن يميّز نفسه عن القريب أكثر من البعيد , لأنّ القريب يهدّد تعريفه لنفسه كإسلامي وحيد أكثر من العلماني و الكافر .

حتى تكون جبهات القتال موحّدةً حقّاً ضدّ أيّ عدو , و هذا من مصلحة الجميع , سواء كان العدو الأسد أو كانت أمريكا , فهذا يبدأ من التخلّي عن العزّة بالإثم , و من إدراك المشكل الحقيقي في العلاقة مع المقاتلين الآخرين أو مع الناس , و من ترك نهج التكفير و التنفير , و من تأجيل خطط الدولة القهريّة الانتحاريّة .
مقاتلو القاعدة مخلصون و لهم نوايا صادقة ولا أحد يزاود عليهم بالإيمان بمبادئهم و شعاراتهم حتى الموت لأجلها , لكن كلّ هذا يضيع حين يستغلّ تجاه أعداء كانوا يودّون كثيراً لو بقوا كما هو المفترض : إخوتكم و حاضنتكم و أصل شرعيّتكم

مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

Posted in Uncategorized | أضف تعليقاً