رسائل لم تُكتب بعد … من أحبابي الموتى __ 1

المجنّد خالد المصري

تلكلخ – حمص , 23 آذار 2011

إلى السيّد الرئيس

انظر إلى ابنتك الصغرى ما أرقّها … كم كانت زوجتك التي لم تخل حتى معسكراتنا من صورها تقول لك : لون شفتيها كالجوريّ في شرفة قصرنا…. لماذا جعلتهما بلون دمي ؟!!!

منذ سُلّمت البندقيّة مع قدم الضابط تقذفها إليّ شتيمته الأشهر عرفت ما معنى أن يُسترقّ البشر ليرعوا مزرعة أسد …

للرصاصة شرف – لن تعرفه – أقسمتُ به إذ كان  هتاف البنادق الأوحد أن  تقتل من يقسم بسواك

للرصاصة منطق – لن تعرفه – تعلّمتُه حين اخترقت رصاصةٌ ما خطأٌ – أو قدراٌ – العَلَمَ في قلب سواده … لن يعود الزمن يوماً للوراء و الرصاصة لن ترجع للبندقية و الصرخة لن تُدفن إن انتفضت في الحلق , و الرصاصة تكتب بصمة الزند على التاريخ

للرصاصة قلبٌ – لن تعرفه – سمعتُ نشيجه إذ حملتنا سيّارة الجند إلى الجنوب … هناك نحو القمح و الشمس المحتجبة بالسنابل و الصرخات , كنتُ أعرف أنّ طفلا احتفلت شمس آذار بعيده التاسع انتُزعت أظافرُه من يديه .. هناك … حتى لا تخدش عرش المزرعة!

للرصاصة وطن – لن تعرفه – يعضّ أصابع الجنديّ حين يجعله حشو البندقيّة !

كانت الشمس باردة يومها , الحافلة ترتجّ بنا و بالرصاص المخبّأ  في الصناديق و الأوامر المحترقة في القلب و صورتك التي تفرض منطقها في المؤخّرة … لماذا تخيّلتُ العجلات يومها طاحونة قمح من حوران ؟!!

كنت يوما أحبّك يا سيادة الرئيس … قبل أن أسمع نبض الوطن في رصاصة …

الشمس باردة و الأرض تغرق بالأخضر و زهورها الملوّنة بوجه امّي , السماء صامتة إلّا من صراخ الريح و أوامر الضابط الذي سجد على صورتك … الأرض قاسية صلبة كالصخر تغرق بالأحمر و أوراقها الملوّنة بالسواد وحده و السماء صامتة إلّا من دعاء أمّي و أوامر الضابط الذي سجد على صورتك  ,

اليد تطوي الهواء بحزم حين تقفز إلى الأذن , القدم تضرب الأرض بكلّ دروس النار في المعسكرات : لن أطلق النار سيّدي … لن أقتلهم …

رصاصةٌ ثمّ الوطن !

الأرض الآن حانية كأمّي , تغرق بالابيض و ألق الربيع في بسمات صبايا تلكلخ لزيّي العسكريّ , السماء تتلو بخشوع سورة الفاتحة و الريح تنادي باسمي و باسمك … ,  والرصاصة تنشد بحكمة أبي : ” حماة الديار عليكم سلام … ”

** قُتل على مشارف درعا بعد رفضه قتل أخيه باسم أمن المزرعة …

ابتسام المسالمة __ 11 سنة

23 آذار , درعا البلد

 إلى نور جارتها في مقعد المدرسة

 

ستكونين الآن الأولى على الصفّ !

و ستأكلين الآن  سندويشة الحلاوة كاملة في ساحة المدرسة المتسخة كلّ صباح …. معلّمة العربيّة ستكتشف أنّني من كنت أسرّب لك معنى الكلمات في قصيدة سليمان العيسى سرّا , و معلّمة الرياضيّات الغاضبة دائما – ربّما لأنها لم تتزوج حتى اليوم كما سسمعت أمي تقول لأمك – ستتذكّرك أنت اليوم إن كانت المسألة عن المثلّثات و معلّمة الديانة الطويلة الحمقاء ستعرف اليوم أنّني الوحيدة التي قرأت الفاتحة بكلّ خشوع … لماذا كانت العصافير على شرفتنا تغرّد أفضل … ربّما عرفتِ اليوم … أبي – الذي كنت تخافين منه – كان غاضبا .. كلّهم كانوا غاضبين .. كلّهم كانوا يصرخون …صوتُهم  أعلى من تلفزيون المضافة … يمشون جميعا كأنما هم جسد واحد يسري في نهر التاريخ ( هكذا سمعتها في برنامج ما )

كان علينا أن نخفض أصواتنا و نصمت عن الكلام و التلصّص لحديث الكبار كلّما سمعنا الاسم الذي يشتمونه جميعا اليوم .. قالوا إنّه أخذ الأولاد في مثل صفّنا إلى القبو و هناك يفعلون بهم ما لا يجوز أن نسمعه نحن البنات …

أمس بينما كنت أراهم و أسمعهم و أتذكر واجب الحساب … غاب الضوء فجأة .. لم أنم … أصبح الآن جاري في مدرستنا ملاكا و ليس له أجنحة كما قالت الحمقاء …

ل …

( كُتب في التقرير : 22 نيسان , وُجدت الجثّة بقرب الساعة في حمص دون أيّة أوراق , اخترقت الرصاصة القلب  , وتيبّست اليد قابضة على عقد يمثّل حرف ل على صدرها )

 إلى حبيبي م …

كان قلبي يا حبيبي في يديك … فهل لمستك الرصاصة ؟!!!

كم أعشقك أيّها الملعون … كيف استطاع الموت أن يكون شريكك في الروح ؟!!

كم أعشقك أيّها الغبيّ .. يا طيري الأسمر الذي طالما ركض كالمجنون في طرقات حمص ,  ومشى كديك رومي أمام أصحابه يغيظ وحدتهم بشعري الكستنائيّ … يا ديك الجنّ كيف لقدر سوى حبّك أن يقتلني ؟!!

الشال الصوف الذي ربحته منك بعدما قاطعتك أسبوعا حمصيّا ( من الأربعاء حتى الأربعاء )  حين غازلتك صديقتي و استجبت .. باتفاق كان بيني و بينها … ما زال  مخبّأ في خزانة الأسرار و في القلب … هل أفسدت عقدته الرصاصة ؟!!

يا حبيبي المستتر عنّي بالصمت و الهارب منّي بضحكاته النديّة بالدمع , هل  بعد يدي ستنبت دموعُك بركان البكاء في جسد ؟!!!

يا حبيبي الذي ينتظر هاتف المساء ليصرخ بي و أتوسّل له ليهدأ … كم أنثى بعدي ستكتم  بركان الضحك من طفولتك ؟!!

يا حبيبي … الذي لم يكشف لي أسرار القهوة سواه لأشرب في سوادها عينيك و هما تغرقان بي بلا خجل … لم أشرب القهوة بغيرك … كيف للعقل أن ينتبه لغيرك .. كيف للجسد أن يرتوي بالحياة إن لم يعمّدها حضورك ….

يا حبيبي الغاضب اليوم : أمّك لم تخطئ و تضع في قهوتك الملح …. هي دموعي لأن الرصاصة منعتني من الفنجان الآخر الممتلئ سوادا أمامك …

___

23 نيسان 2011

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في كلمة. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s