بين البوطي و العرعور … محاولة للفهم

في الوقت الذي كان البوطي في دمشق يخطب عن فتنة المظاهرات و الخروج عن أمر الحكام في الجامع الأموي في سورية ، كان الشيخ العرعور في القاهرة يتكلّم عن فتنة الاعتصام في التحرير و الخروج عن أمر المجلس العسكري في مصر…

و بينما كان يتكلّم البوطي عن وقف الفتنة و ضرورة الالتزام بالأمر الشرعي بالجلوس في البيت ردّا على من سأله إدانة التعذيب و الكفر في المعتقلات، مرفقا ذلك بتحريم إطلاق الرصاص على المتظاهرين، كان الشيخ العرعور يتكلّم عن قصّ لسان من لا يؤيّده في مسألة التدخّل العسكري الخارجي…

و لو رجعنا إلى ما قبل الثورات فما كان يعتبره البوطي في كتاب مثل “الجهاد في الإسلام ” جائزا شرعا من المظاهرات و الاحتجاج السلمي إن انعدمت كلّ السبل للإصلاح بالسر للحاكم الظالم، كان يعتبره الشيخ العرعور ” بلاء ” و ” فتنة ” – حسب كلماته طبعا – ولكنّه لن يلوم المتظاهرين و سيقف معهم لأنّها ” طامّة وقعت “…

ربما يستغرب البعض لو قلت إنّ كلا الرجلين – الشيخ البوطي و الشيخ العرعور – ينتمي إلى مدرسة واحدة ولكن بمستويين و مذهبين مختلفين : أعني المدرسة التقليديّة التي لا تستطيع التعامل مع “الدين” منفصلا عن التراث و لا تتعامل مع “التديّن” منفصلا عن المظهر الاجتماعي الثقافي المكرّس، هذه النظرة تتجلّى في معظم إنتاج إصحابها و لكنّ تظهر واضحة بجلاء في مسألة الخروج على وليّ الأمر، فمن يبحث في تحريمها أو تحليلها لا يعود للقرآن أو للتجربة النبويّة أو للنهج الذي كانت عليها الدولة الإسلاميّة الأولى، و إنّما إلى كتب الفقه و جدالات الفتاوى المختلفة الموجودة في الكتب، هذا التحريم لا يقدّم كاجتهاد – مرتبط بزمان و مكان و مجتمع – و إنّما كدين… هذا ما أقصده…

إنّ وجود هذه المدرسة ربما لن يكون مهمّا لغير المتديّنين لو وُجدت مستقلّة عن منظومة الاستبداد العامّة، إنّ أيّ حكم استبدادي يقوم على مجموعة من الثنائيّات يعقد تماهيا وهميّا بينها، الثنائيّة الأهمّ هي ( الوطن \ النظام ) المعتمدة و الموظّفة لثنائيّة ( المؤسّسة الدينيّة \ الدين ) و التي ما كانت لتنشأ لولا ثنائيّة ( الدين \ التراث ) ، إنّ دور هذه المؤسّسة بشكلها هذا في هذه المنظومة ليس بالضرورة أن يتبدّى في دعم النظام صراحةً بالفتاوى و الخطب، و إنّما الأهمّ من ذلك أنّها ببنيتها التي لا تخلو من استبداديّة تشكّل تقديما أو تمهيدا لحالة الاستبداد الأشمل المتمثّلة بالدولة .

هذا لا يلغي الفارق الشاسع بين الرجلين، فالبوطي حاول أن يكون مجدّدا ضمن هذه المدرسة و استطاع أن يقدم خطابا متقدّما و متماسكا فكريّا بين العقلانيّة و التصوّف و محاولة العصرنة، و لكنّ العيب في المنهج نفسه لم ينتف من عنده ( لارتباطه بثقافة الاستبداد و ولاة الأمر )… بينما العرعور كان واضحا باستعادته الخلافات و الجدالات نفسها المكرّرة منذ أكثر من ألف عام بين المدارس العقديّة المختلفة و رغم كونه يؤكّد أنّ نقده و محاوراته تتمحور حول الحقيقة العلميّة و المنهج العلمي فقط و نفيه و محاربته لمسألة التجريم الطائفيّ و الحقد الطائفيّ من أي طرف كان ولكنّه ساهم إلى حدّ بعيد في تكريس الخلاف الطائفيّ ليس بسبب خطابه وحده -للأمانة- و إنّما بسبب الظرف الذي وقع فيه أكثر،

ولا شكّ أنّ البوطي -من حيث المنجز الفكري – أقرب لهموم المجتمع و للعصر و للثورة نفسها ممّا قدّمه العرعور-من حيث المنجز الفكري أيضا – ولكنّ كلا الرجلين ما زال بعيدا عن لحظة وعي الزمن و التعدّد و عن الدين-نفسه- كفاعل في الحياة ليحقّق الإنسان ذاته ولتحقّق الحياة نفسها كذلك، و لتثمر الأرض المعنى !

ربّما أستطيع أن أتجاوز ما يشيعه تلامذة البوطي من أنّه مغيّب بمن حوله عن حقيقة ما يحدث، لأقول : إنّ الخلاف بين الرجلين هو خلاف تاريخ و خلاف ضمير في الدرجة الأولى، أكثر من كونه خلافا في التفكير أو في المنهج – رغم وجوده الظاهر ولكنّه منتم لمدرسة واحدة كما قلت – و علينا حتى تتحقّق هذه الثورة التي يملك الوعي أساسها قبل الشارع و قبل السلاح أن نعمل ما أمكننا على ألّا نغيّب النقد و مسافة المساءلة عن أيّ فكر كان، و علينا أن نجهد حتى لا يتحوّل الشيخ العرعور نفسه ( الذي لم أشكّك في وطنيّته و طيبته ) إلى صنم فوق المساءلة و الاعتراض ( وهو الأمر الذي خسره البوطي مع الثورة )، و لا إلى مدرسة دينيّة أو فكريّة مكرّسة كقدوة و كموجود واحد … حتى نستكمل ثورتنا حقّا… على الأقلّ!

26تشرين ثان
_____

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في رأي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s