قصّة إعدام معلن …

نوى قمح دامٍ , معرّشاتٌ ممتدّة من العنب الخمري , دجاجات تنتظر يد صاحبة البيت كي تخطف منها الأبناء كلّ صباح , حجارة سوداء تذكّر الأطفال أنّ التاريخ الهرِم كان طفلا يحبو حيث يلعبون..

على النوى مذ نوى !

نوى ,

نوى عنها الذلّ و نوى فيها الهواء أن يكون الصرخة , كيف لهواء في حوران ألّا يكون الصرخة , كيف لحورانيّ أن يغيب عن الزلزال .. و هو الموجة الأولى ؟!

كانوا هناك يلعبون..

و كانت السماء كحليّة مثل كلّ يوم في الوظيفة المقدّسة : حماية الوطن …

من لعنة المعتقلات أن لا تسلية فيها للجلّاد سوى أجساد السجناء من لعنة الغريزة أنّ التشبّه بالخالق لا يفارق قلق الدم , الشغف نحو المجهول و التسامي نحو الكشف لا ينزاح عن نبضه … حتى و إن انحرف تشبّهه نحو الشيطان !

من لعنة البسطار العسكريّ ” الاشتراكيّ خاصّة ” أنّه مثل العالم الرأسمالي في نظرة ماركس يقلب العادات .. رأسه أُجّر للقدمين … و العقل في البسطار ….

كان يمكن لهذا الشابّ داخل بدلة الكاكيّ أن يكون في حضن مكتبة يبذّر شهوة الشغف فيه بين الكتب أو بين العناصر في المختبر أو حتى بين لغات الخضرة في كتاب حقل … ولكن شاءت مصلحة الشعارات و العائلة الواحدة أن يُستلّ من قلمه إلى البندقيّة ..

من لعنة الصدف أنّ عطش الجلّاد أنهى ” قنّينة ” الماء البلاستيكيّة وقت الظهر … و انشغل بعطش آخر .. نحو الدم و لون الهلع و صوت العذاب و كانت السماء رماديّة مثل كلّ يوم مضجر بين قيح المهاجع و الأجساد المعدّة للتجربة..

الوصفة ليست صعبة جدّا تحتاج عقلا خلّاقا كعقل الجلّاد و ذكاءا متوقّدا كذكاء السكّين و حماسة أمام صورة القائد :

أمسك قنّينة الماء … شقّها من أعلاها مكوّنا خمسة مثلّثات من الدائرة بالتساوي , الْوِ كلّ مثلّث منها من الجانبين بحيث يكشف البلاستيك عن الحدّة فيه … و ضمّها من جديد معيدأ شكل الرأس للمخروط !

 

كانوا ثمانية … و كانت السماء سوداء مثل كلّ يوم في جدران العقاب .. عقاب الناس على ما فيهم من الوطن

في نيسان تنتشر الفراشات على أوراق الشعراء .. و تتورّد الخدود للشبق الآتي من جهة الورد .. و يتحوّل الهواء إلى شاعر أنيق لا يعرف سوى الغزل بين الأرض التي لبست زينتها لمن فوقها من الزاحفين بأعمارهم نحو بطنها المظلم … لكن نيسان كالأم و كالعناق و كالفرح و كالهواء و كالمراقبين ممنوع من زيارة السجون ..

كانوا ثمانية … و كانت ثمانية “قنانيّ ” … هل هذا جمعٌ صحيح .. لا يهمّ , قد اجتمعوا تحت شمس الربيع الدامي و انتهى

تذكر كيف كانت القنّينة التي اخترعها بكلّ ذكاء و بأبسط التكاليف الجلّاد الشابّ المجتمهد في خدمة الوطن .. تسأل ماذا فعل بها ؟! هذا من حقّك , و إلّا لماذا كانت هذه الصفحة أصلا ..

وضعها في شرج السجين ..

من حقّك لو كنتَ فتاة تصبغ شعرها على مقعد الكوافير أن تشيح بوجهك قرفا من هذه الكلمة …

من حقّك أيضا أن تشتم هذا المقرف الذي أجبرك على قراءة ما شغلك عن موعد أنيق في حديق العاشقين ,

من حقّك أن تطفئ الشاشة فورا و تلعن الزمن الذي أحالك إلى البشاعة بينما كنت تتابع فيلمك المسائيّ المدهش ….

ولكن هذا ما حدث ..

 

كانوا ثمانية و كانت ثمانية قنانيّ .. هل الجمع صحيح .. ؟! , لا يهمّ قد اجتمعوا تحت شمس الربيع الدامي و انتهى

و كانت السماء حمراء مثل كلّ يوم من دفع ضريبة الإنسان الذي استيقظ فيك مع الهتاف … و لولاه لفقدت لون دمك..

من لعنة الفيزياء أنّ البلاستيك يشبه الإنسان في حكومات القمع .. تدوسه و تضغطه و تصغّره و تأتيك النتيجة بالعكس !

كانت آليّة عمل الجهاز – الذي اخترعه الجلّاد المجتهد كما سبق – كما يلي :

تحشر القنّينة التي شكّلت منها السكاكين في ” الكلمة المزعجة ” هذا سيعذّبه حدّ أن تشقّ الطبيعة صرخاته … لا يلبث البلاستيك أن يتفتّح ضاغطا أحشائه بسكاكينه … ينتزعها الجلّاد و يمزّق في طريقه كلّ مكامن الدم و الحياة المجتمعة هناك … و ينزف من ” الكلمة التي أزعجتك ” حتى أن تجفّ به الجياة …. حتى الموت …

 

كانوا ثمانية .. وكانت السماء بلا لون مثل كلّ يوم في رحلة الأنّات نحو الحلم .. و كانوا ينزفون…

كانت ثلاثة مهاجع بأكملها صُفّت في الساحة تنظر إليهم و هم يتلوّون على الأرض الفاقدة لأيّ لون إلّا سرياليّة النزيف , و كانوا ينزفون .. !

كانت ثلاثة مهاجع .. صُفّت في شمس الربيع الفاقدة لمعنى الضوء .. ليتعلّموا معنى الوطن في غابة الأسد .. و كانوا ينزفون ..

كانت ثلاثة مهاجع و كان الدرس اليوم ثمانية ينزفون حتى الموت من” الكلمة المزعجة ” ليتعلّموا معنى الإنسان في يد الشبّيح … و ظلّوا ينزفون

كانت ثلاثة مهاجع … صفّوا في وجه القدر … ليرجفوا و يرجعوا عن القيمة و المعنى و يتوبوا عن الهواء .. عائدين عن شعلة المستحيل فيهم إلى أسر الشعار المقدّس : سورية الأسد .. و ظلّوا ينزفون

و كان الكثير من الآباء يجهّز المشاوي لسيران الغد في بهجة الربيع … و كانوا ينزفون

و كان الكثير من الموظّفين يطبعون صورة الرئيس صاحب العيون الزرقاء ليعلّقوها في الغد على مكاتبهم كي يرضى قلم المدير … و كانوا ينزفون

و كان الكثير من الشباب يملأ فراغ وقته و عقله باختراع المزيد من الشتائم ليبعثرها على جدران المتآمرين في الأفق الأزرق لمجرّد التسلية … و كانوا ينزفون

 

كانت الصرخات في البداية أشبه بزعيق الجانّ في ألف ويلة و ويلة ثمّ تسرّبت حتّى وصلت لأنين خافت و كانت المهاجع لا تسمع إلّا قهقهة حماة الوطن من المنظر الكوميديّ الطريف .. كان كلّ شيء في تلك الوحشة لا يسمع إلّا قهقهة الجلّاد من النزيف .. و ظلّوا ينزفون …

.

.

.

و ما زالوا ينزفون

____

عن أحد الشهود

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في كلمة. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على قصّة إعدام معلن …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s