عن الوعي أحاديّ البعد

يتكلّم ادوارد سعيد في كتابه ” المثقّف و السلطة ” أنّ وظيفة المثقّف الأساس في البلاد التي تعاني من الاحتلال أو القمع هي في أن يقدّم مأساة بلاده مرتبطة بنماذج تاريخيّة أو حاضرة شبيهة .

إنّها بذلك تخرج عن حدود الجغرافيا و تصبح نموذجاً إنسانيّا , عند التنبيه لجانب المعنى و القيمة الأخلاقيّة المتجاوزة للانتماءات الخاصّة إلى ما يجب أن يشترك كلّ البشر بالانتماء إليه : مثل حقّ الحياة و كرامة الإنسان و الدفاع عن الأرض .

هذه المسألة ليست شكليّة تخصّ الإعلام و فنون التسويق بل هي مرتبطة بشكل وثيق بالوعي نفسه و طريقة التفكير في داخله و ما يستتبع ذلك من منظومة أخلاقيّة .. تتعلّق بالضمير أوّلا

إنّ من لا يميّز القيم و الحقوق إلّا في جانبه – سواء كان هذا الجانب متعلّقا بالوطن أو الايديولوجيا أو حتى الدين – لا يملك أن يطلب من الآخر أن يميّز حقوقه و ما يقدّمه من قيم بطوليّة , ما دام خطابه لا يقوم على التأكيد على هذه الحقوق كقيم تتجاوز لون أو اسم أو مكان المرتبط بها , و إنّما على كونه “هو” المحقّ و “هو” المظلوم .

قد يبدو الأمر طبيعيّا في قلب المعركة , و في زحمة الموت المحاصِر , ولكنّ إن سيطر هذا المنطق – الذي لا يرى القيمة و إنّما المتمثّل بها فقط – فهو مهيّأ في فترات لاحقة للتسلّل نحو انتماءات متفرّعة عن الانتماء الأوّل الذي كان جامعاً في فترة ما , و تنشأ نتيجة ذلك استقطابات و نزاعات متفرّعة أعقد حتى من المسألة الطائفيّة كمثال أشهر … و هذا ما بدأت بوادره فعليّاً , بين الهيئات و المجالس القائمة , و حتى بين المناطق .

لكن المثال الأشهر و الأكثر حضوراً في تاريخنا العربيّ الحديث – رغم أن لا أحد يجرؤ على التنبيه لذلك – هو القضيّة الفلسطينيّة , فهذه القضيّة العادلة و التي كان يجب أن تكون ملهمةْ و متفقا عليها من كلّ شعوب الأرض منذ ستين عاماً , و أن تكون حاضرةً كقضيّة يجب حلّها و إنهاء الظلم الواقع فيها , لا كقضيّة مكرّسة للديمومة , و أن تكون مصدراً و مدخلاً للانتماء للقيم التي يقوم عليها أساس عدالتها أصلاً , تحوّلت عوض ذلك إلى حجاب عن هذه القيم نفسها , حين تخلّت عنها و أصبحت فلسطين هي سبب التضامن و النضال الوحيد لأجل فلسطين .

لنوضّح ذلك علينا أن نراجع كم كان سهلاً و مفهوماً التحالف الذي وصل إلى حدّ التمجيد غالباً مع أنظمة ديكتاتوريّة قتلت عشرات الآلاف من مواطنيها مثل النظام العراقي و النظام السوري , و كان من المبرّر تبرير كلّ ما تفعله هذه الأنظمة باسم القضيّة الفلسطينيّة , إنّه ” الوعي أحاديّ البعد ” الذي لا يرى هؤلاء الآلاف الضحايا و لا يعنون له شيئاً سوى أرقام للطريق الذي لا بدّ منه نحو المهمّ الوحيد و خبر النشرة الذي يجب أن يكون الوحيد أيضاً و هو الفلسطينيّ البطل الثائر ضدّ الظلم , أو الشهيد لأجل قضيّتنا جميعاً .

إنّه الوعي أحاديّ البعد الذي ما زال مستخدماً و بشكل واضح لا يحتاج عمقاً في التحليل حتى الآن في خطاب المؤيّدين لنظام الأسد من العرب خاصّة , فالثورة المعجزة التي تمثّل المشاركة الشعبيّة الأضخم في التاريخ الحديث , و خمسة عشر ألفاً استشهدوا برصاص القمع و عشرات الآلاف من المعذّبين و مئات من المدن و القرى تحت القصف , كلّها تستحقّ اللعنة , و لا يجوز لها أن تصرخ و لا أن تطالب بدم أبنائها فضلا عن حريتها وإعلان إرادتها , لأنّها تلهي النظام المقاوم عن خطاباته لأجل القضيّة الفلسطينيّة … و قد يشغل خبر الـ 50 قتيلاً فيها نشرات الأخبار عن تغطية أخبار اعتقال شبّان في الضفّة … و هذا سبب كافٍ لشيطنة هذه الثورة بالنسبة لهم و إعلان المؤامرة الواضحة .

هذا الوعي أحاديّ البعد لم يسئ لهذه الشعوب المضطهدة – التي تمثّل لها قضيّة فلسطين همّا مقدّسا أصلاً – بقدر ما أساءت لوجه القضيّة الفلسطينيّة العادل و الأخلاقي نفسه , و بقدر ما أخّرت كثيراً حلّ قضاياها الشائكة .

و هو الوعي أحاديّ البعد الذي رأيناه من قبل حين كان المسلمون في البوسنة يبادون و تمارس عليهم أفظع المجازر و جرائم الحرب , بينما كان بعض اليساريّين العرب يقفون في صفّ القاتل الصربي لأنّه حليف روسيا العظمى ..

و هو الوعي و الضمير أحاديّ البعد حين رأينا فئة من المسلمين مع كارثة التسونامي يتناقلون آيات تعذيب العصاة و المجاهرين بالفاحشة ,  ولا يستمرئون التبرّع أو المساعدة في إغاثة هؤلاء الكفّار .. رغم كونهم يغضبون على الدنيا – محقّين – لإهمالها كلّ قضاياهم العادلة

إنّه الوعي أحاديّ البعد حين نتكلّم عن طائفيّة المالكي و إيران و الجرائم التي فعلوها – و هم قد فعلوا أضعافها حقّا – و نتناسى تاريخا من الاضهاد المقابل , و من خطاب الشيطنة السائد …

و هو الوعي أحاديّ البعد الذي يعانيه فئة من الإسلاميين و هم يقيمون الدنيا و لا يقعدونها على منع خطيب أو تضييق ساعات الدوام على مركز إسلامي في باريس , و هم – فضلاً عن أنّ حالة الدعوة لدين آخر مستحيلة – ينادون بمنع كلّ كتاب مخالف لرؤيتهم , إن لم يدعوا إلى قتل صاحبه أحياناً ..

و هو الوعي أحاديّ البعد الذي يعانيه كثير من العلمانيّين حين سكتوا و يسكتون عن تاريخ طويل من اضطهاد الإسلاميين و إقصائهم ,  ويشاركون في الخطاب المشيطن نفسه للجكومات التي يقولون إنّهم يعارضونها , و حتى في اعتراضهم على قمع هذه الأنظمة و دفاعهم عن الشعب المظلوم يفنّدون شرعيّة القتل و المجازر : بأنّ الشعب ليس سلفيّاً …. هذا يعني ضمناً أنّهم كانوا سيوافقون لو أنّ هؤلاء الضحايا سلفيّون هناك أمثلة كثيرة لا تنتهي …

إنّه الوعي أحاديّ البعد , الذي نراه في خطاب بعض من يتكلّمون باسم الثورة , بما يُفترض أنّه يتناقض مع روح الثورة و قيمها أصلاً , ماذا يعني أن تكسر الصنم و تفرض كرامتك على الأرض مقابل الموت و الرصاص , ثمّ تخاطب حاكماً آخر بما هو أكثر تذلّلا ممّا ثرت عليه ؟!

و هو الوعي أحاديّ البعد المنفصل عن القيمة الذي قد يبرّر لنا أن نرضى بالجريمة أو القمع في أرض أخرى , باسم عداء الأمر نفسه في أرضنا و علينا ..

إنّه الوعي و الضمير أحاديّ البعض لدى من رأيناهم صامتين خمسة عشر شهراً عن كلّ ما حصل من المجازر في سورية , و هبّوا آلافاً بكلّ ما يملكون من الحماس لقضيّة الأسرى الأبطال ..

و هو الوعي أخاديّ البعد أيضا ذاك الذي تمثّل في ذهن من ضاق صدرُه و لم ير في قضيّة الأسرى الفلسطينيّين الأبطال و التضامن معها إلّا لعبةً لشغلنا عن قضيّتنا !

https://www.facebook.com/notes/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%AF/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%AF/434245003253346

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في رأي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s