هاروت و ماروت …. الثورة !

كان يغتسل بالنور كلّما اهتزّ فؤاد السماوات بالتسبيح

هاروت … لم يكن وحده .. كان يعانق ” ماروت ” حينما يبكي لرؤية الملائكة الماضين إلى السدرة … هو لم يخلق له الله دموعا ..

و كان ماروت يغضب لأنّه سمع بين الطبقات همس الملائكة الموكلين بالوحي عن فحش البشر … و سهوهم عن الصلوات … و كانت أجنحته تستحيل نارا إن رأى في دفتر أحدهم صورة إنسان يمارس ما حفظت الأرض و الجبال نهي ذي الجلال و الملكوت عنه … و كان هاروت يخبر رفيق صلاته بعد دورهما في حراسة النجوم من الأبالسة همسا راجيا أن يصلّيا مرّة واحدة طلبا أن ينزلهما العظيم إلى محلّة هذه الكائنات الوسخة المسمّاة بالبشر … علّهم يرقّون في مرتبة القرب من العرش .. لو بثّوا شيئا من ألق العرفان في عتمة بهيميّة هؤلاء الذين سكنهم الخبث  .. !

و كانت المهمّة … حملوا تعاليم الهداية و نواميس الفرق بين السحر و المعجزة للدرس الأوّل في أرض الضلال.. و كانت أجسادهم الجديدة مرعبة ولكن لم تمنعهم من صلوات الشكر لله على نعمه ..

هذه الأرض ..

السماء هنا ليست حقل صلاة … و الكائنات هنا لم تنتظم في مواقيت العبادة .. و الدروب الضيّقة تهب السالكين من احتمالات الوصول مساحة اختيار أرحب من تلك السماوات المقيّدة بالصلاة الواحدة … لا ملاك في السماء يلفظ غير صلاته … و لا مكان في السماء حظي برفاهية اختيار ترانيم الدعاء …

في السماء و في جسد الملائكة لا احتمال سوى الصلاة … لأنّه ليس ثمّ سواها !

لماذا تتحرّك في الجسد أمواج البحر … و لماذا اشتعلت في مسافاته البراكين … كان عنقَ فتاة ما لمع قرب البئر .. و كانت سهول من الأجنحة ترقص خاشعة على اليد المشرعة للشمس … و كان فيض النور يسيل من بين ثنايا الثوب قرب الخصر … و كانت نخلات السواد تكتسي ببياض الحقيقة على الساق المغلّف بالقطرات …

لم يبك ماروت لخاطر المنكر … لم يتشقّق هاروت جزعا من همس قلبه “الذي غدا بشريّا” لأنّه خرج عن خط التعاليم … و لا تذكّرا أيّا ممّا كانا يرويان لمسؤول الملائكة -قبل المهمّة- عن نقائهما الذي تناهى حدّ التمام … و لا فهما كيف تحرّك الجسدان – فورا دون حسابات المنكر و الرقباء – نحو قلق الجسد من نداء اللذّة المشتعل كنار الجحيم … و وقعت الواقعة !

عقابا على الخيانة … تحت عين الله … عُلّق هاروت و ماروت بين السماء و الأرض … إلى يوم القيامة !

نعم كانا صادقين جدّا في السماء … هناك حيث لا وجود لغير الصلاة … كيف بفعلان سواها … و هناك حيث كانا في مأمن من أيّ خطيئة – حيث لا وجود لها أصلا – كانا يعنيان حقّا ما يقولان عن الطاعة .. اكتشفا لاحقا أنّ الطاعة ناقصة حيث لا احتمال آخر !

____________

هنا !

بعيدا عن الرصاص …. بعيدا عن الجلّاد … بعيدا عن صعقة الكهرباء … بعيدا عن مياه المراحيض التي يشربها الخارجون على خطاب العرش … بعيدا عن احتمال الموت بين رصيفين … بعيدا عن ابساطير التي قد تتقاذف وجهك في صدفة مرور من الحاجز الخطأ … بعيدا عن القنّاص الذي سيقطع حكايتك الطويلة للتسلية … بعيدا عن الأقبية المعدّة لتشكيل الأجساد بخيال الجلّاد … و مزاج الخمر اليوميّ … بعيدا عن بابا عمرو .. بعيدا عن المذبحة … بعيدا عن الحياة الضيقة المحاصرة بكلّ   منجزات التاريخ من أدوات التعذيب و القتل و قصّ الحكايا من الوسط !

هنا بعيدا عن القلق الأزليّ لمن يصرخ بالهتاف … ” لا ” أمام هدير الرصاص

هنا حيث لا تكلّفك كلمة ” الحرّيّة ” سوى كبسة على الكيبورد … حيث لا تعني – كما تعني هناك – تحدّي النواميس و اختلاق المستحيل …

هنا حيث الكلام زيف … مغلّف بالغبار … بالضباب … بازورار الكلمة عن الحلق …

هنا حيث لا  تشكّل الأوثان فرق وجود ..

هنا … حيث عليكم ألّا تصدّقونا و ألّا تأخذوا منّا معنى كلمة الحقّ أو كلمة الحقيقة أو كلمة الدم أو كلمة الإنسان … لأنّنا قلناها بلا خطر !

هنا حيث بإمكان كلّ ساقط أن يعلن الأمجاد و الحروب و الخطط للتحرير من وراء الشاشة …

هنا حيث الجغرافيا تفصلنا عن خطوط الدم …

هنا تماماً ..

كلّنا …. هاروت و ماروت الثورة !

_________________________________________________

ملاحظة على الهامش : لا داعي لأن يذكّرني أحد أنّ الرواية فوق عن هاروت و

ماروت هي رواية التوراة , أمّا في الإسلام فقد ذكر العلماء كون الملائكة منزّهة عن الخطيئة … و أنّ العلماء الأجلّاء ذكروا تاويل الآيات في الكتب … أعرف كلّ ذلك مذ كنت صبيّا …. و أؤمن به مثلكم …. القصد هو العبرة … هو الدم !

23 شباط 2012
https://www.facebook.com/notes/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D8%AF/%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D9%88-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-/375809605763553

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في كلمة. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s