لم تكن اسماً .. كانت سوريا

كان جسداً غطّته شقوق التعذيب …. و لم يعترف
كانوا يعرفون مهمّته في أن يوصل السلاح , ولا ينتظرون إقراره بالتهمة , و إنّما أسماء و أماكن رفاقه … و جرّبوا عليه آخر منجزات الألم … و لم يعترف
كانت زوجةً تسكن الخوف منذ اعتُقل , كانت فكرة المحقّق الأخيرة التي عرضها لرفاقه كي يقلّدوه
حين استدعوه , كان يعتقد أنّ حفلةً أخرى من الكهرباء سوف تشتعل بين فخذيه سيطفئها بأن يلجأ للآيات , ولكن واجهه أقصى الرعب , ذاك الذي كان يمثّل له أقصى الرحمة
كانت عاريةً …. و ليس بعيداً عنها مجنّد أشهر سلاحه المتأهّب لاقتحام جبهة الأعداء …
خيّروه , أن تعترف أو فاختبر جسدها في صورة جديدة ..
طلب ربعَ ساعة ليفكّر في زنزانته … أعادوه و حين عادوا إليه , كان عارياً من قميصه … و كان قميصُه مشدوداً يحمل رقبته نحو الموت … !

كان هذا ما أخبرني به قبل سنين أحد “خرّيجي تدمر” عن قصّة مقاتل إخوانيّ صلب العقيدة أيّام الثمانينات …

لم يكمل لي القصّة و يكشف لي إن كانت اغتُصبت الزوجة بعدها أم لا … ليس مهمّاً
ما نعرفه جميعاً أنّها اغتُصبت و ما زالت …
هذه حقيقة , ما زالت حتى اليوم الذي جُمع فيه معتقلو سجن اللاذقيّة قبل أسابيع في الباحة ليتفرّجوا على زوجة زميلهم الواقف متمزّقاً بينهم و هي بين أربعة أيدٍ تثبّت جسدها الذي يتقدّم إليه بطلٌ ممانع كي يُسقط الأعداء ….

نعم يا سادة … ليس فرقاً ما حصل بعد تلك الدقيقة التي سمعت فيها و هي ترتجف من برد الرعب : انتحر الكلب , ففي لحظتها سقطت فروق الحوادث على الروح …. هل قلتُ لحظتها ؟! , لا بل قبل ذلك بكثير , و بعد ذلك بكثير , ما زالت منتهكة و دامية و فاقدةً لبعدها الشخصي , لأنّها لم تكن اسماً وقتها , و لا كانت اسماً قبل شهور حين كان الخطف في أحياء حمص و حماة يعني متعةَ عشراتٍ من حماة الوطن لا أنثى يعرفونها إلّا الرصاص , و لم تكن اسماً حين ضُربت في الشوارع أمام المارّة المتفرّجين , و لم تكن اسماً حين كانت الكهرباءُ لا الرضيعُ رفيقة ثديِها في المعتقلات , و لم تكن اسماً حين قطعت أميالاً سيراً على أمل النجاة من القصف لتقضي ساعاتها في استدرار شفقة الغرباء و عدّ الرمال أمام خيمة اللجوء …
لم تكن اسماً , و لم تكن مجرّد امرأة سوريّة يقف تشقّقُ رأسها من الوجع في كلّ مساء للتذكّر على حدود جمجمتها وحدها .. لم تكن امرأة سوريّة كلّ امرأة انتُهكت روحها و دموعها و زغبُ جسدها المتوفّز خوفاً… لقد كانت “المرأة” … لا لم تكن هذا فقط …. لقد كانت : سوريا !

هذه الغريبة التي رفعت رأسها للمرّة الأولى بعد الدم الأوّل الذي غطّى عريَها … علينا كلّنا , مهما حصل , ألّا نعيد رأسها لعتمة الخضوع …

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في كلمة. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s