مناجاة لامرئ القيس

و قال : لم يكن حكيماً رغم كونه الضلّيل , و إنّما لأنّه الضلّيل .

ألا عمْ صباحاً أيّها الطلل البالي

و هل يعمنْ من كان في العصر الخالي

و هكذا تركتَ عنك الأخلّاء و خاطبتَ الطلل , هكذا يا رفيقي اقتنعتَ متأخّراً أنّ هذا عالمٌ لا يستحقّ فيه التحيّة إلّا الخراب.

أكلتنا مسافات السفر يا ابن حجر , ليست رحلتك على الأرض أعني ,  وإنّما رحلة الأرض فيك ,  من أملٍ إلى أملٍ عبر الخواء .

بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه

و أيقن أنّا لاحقان بقيصرا

فقلتُ له لا تبكِ عينك إنّما

نحاول ملكاً أو نموتَ فنعذرا

لم يكن ثمّ صاحب … كلانا يعلم ذلك , لقد كنتَ أنت الذي امتلك يقين أن لا يقين سوى الخيبة , و كنتَ محتاجاً لأن تبرّر الإرادة , كنت وفيّاً لا للملك , و إنّما لإرادتك الملك , هذا ما لم يفهمه قيصر إذ ألبسك حلّة الذهب و ظنّك خُدعت , منذ بداية الرحلة كنتَ تدرك أنّ غايتها الهاوية , من قال إنّ الغايات هي ما يهمّ الدرب , المهمّ الدرب نفسه , أن نمشي على الشوك  و نحطم كبرياء الطين الطريّ بقساوة الواثق , ألّا ترى تردّدك حتى وكنات الطير في العتمة الموحشة , لأنّ المهمّ هو قلبُك الذي لا يزلّ نبضه , المهمّ ألّا يرى من يظنّون انكسارك طرف دليل على وهمهم الحقيقة , لم يكن يهمّك إلّا الحكاية يا ابن حجر , أن تكون الحكاية متقنة , و ألّا تكون القصيدة مملّة , لم يكن مهمّاً أن تربح أو تخسر الغنائم , لكن ألّا يغادرك الشموخ , أن تُعذر أمام الكرامة .

أرانا موضعين لأمرِ غيبٍ

و نُسحرُ بالطعام و بالشراب

أكان كشفاً يا ابن حجر ؟! , أنبأتك الرمال بالمهول خلف الكثيب , و أنبأتك الرحلة بأنّ الكثيب لم تعرفه النهايات , و رحلتَ , و غامرتَ بعطش المفازة , لا لأجل الماء فقد كان في خيمة القوم , و إنّما لأجل أن يكون للماء معنى أعمق من العاديّ , لأجل أن تهصر بيديك السماء ولكن على الأرض ,  لم ترضَ بخصرٍ أتى إليك طوعاً أو تحت مرأى القوم و امرهم , كنتَ تريد الخصر الذي تستلّه رغماً عن تمنّعه من يد الضجيع , حتى يكون كسبَك … لأجل ألّا ينسى القلبُ معنى النصر في المعركة , لأجل ألّا تكون الحياة ثديَك السهل كما لكلّ الأفواه المتقرّحة من خوف التمرّد .

ألا زعمتْ بسباسةُ اليوم أنّني

كبرتُ و أن لا يحسنُ اللهو أمثالي

كذبتِ لقد أصبي على المرءِ عرسَه

و أمنع عرسي أن يزنّ بها الخالي

أكان خالياً يا امرأ القيس , أم كان ممتلئاً بما نسيته من السدف المرخيّة على فتيت المسك فوق فراش النؤوم , كانت تلفعك الريح في ليلةِ الكشح الهضيم حين ذلّت لك في ظلّ الكثيب , بينما كان يلفحك الدفء من بيضة الخدر البعيدة … تلك التي لم تبردها الوحشة .

ألا ربّ يومٍ لك منهنّ صالحٍ

ولا سيّما يومٍ بدارة جلجل

أكان يومك حقّاً يا امرأ القيس , و صدّقت تمنّع الهودج المرتبك , أنت أذكى من أن تخدعك طفلةٌ لعوب , و لكنّها انستك سربالك حقّاً ,  كنت تراها إذ تسلّلت ” إذا ما الضجيع ابتزّها من ثيابها” , و لم يغب عن سمعك ما همس لك به الفودان العنيدان من ذكريات عتيقة … ولكنّك تصاممت لأجل الحكاية …. هكذا كنت ترخي عمامتك على عينيك لاجل ألّا ترى فارساً سواك , و كانوا يجولون على مرابعك هازئين …. ولكنّك وحدك وحدك من نظمت فتوحاتك بالكلمات …. فغابوا عن ظنون الآتين بعدك , وبقيت وحدك في الكلمات …. لم تنته الكلمات يا امرأ القيس , و لكنّك انت أنت من انتهيت .

و ليس بذي سيفٍ فيقتلني به

و ليس بذي رمح و ليس بنصّال

كان لديك السيف و الرمح و النصال و ذكرى النوال السهل يا فتى الوقيعة , وكان ضجيعها في المساء إذ “تميل عليه هونةً غير مجبال” دون شَرَك التمنّع الطويل الذي خدعتك به الغنيمة , حين سكرتَ فرحاً بتفرّدك الكذبة ….  فكفاه ليطعنك بكلّ ذلك , و لتبلع غصّتك حين صحوتَ كميتةً عفنة و تهذي بعد ذلك الكبرياء  .

وقد طوّفتُ في الآفاق حتى

رضيتُ من الغنيمة بالإياب

لم تصدق يا ابن حجر ,  ولم تكذب , لأنّك لم تؤب يا ابن الليل إلى العرش الكسيح الذي لم يقمَ اودَه الثأر , استمررتَ بالتطواف ولم تؤب , الفارس يغذّ السير لا لأجل أن يصل , و إنّما لأجل السعي نفسه , لأجل ألّا يشفق عليه الجواد الكميت … حتى لو كان كميتاً من دمه , لأجل ألّا يعترف بالتعب , لأجل العرق العزيز فوق اللهاث المكتوم لمن يأبون النزول عن الصليب إلى المصالحة .

سما لكَ شوقٌ بعدما كان أقصرا

هكذا تغفو عنك و تصحو , لم ترتضِ لك الأقدار سلماً إذ اقتحمتَها حرباً , عاندتَها فعاندتك , لم تكن تهرب من نداء الهام فوق رأس الشهيد و أنت تقطع حوران إلى حلب , و إنّما كنتَ تفرّ من قلبك …. من هذا الشوق الذي يباغتك كلّما حاولتَ ارتكاب النسيان , لقد كانت طعناتٍ كثيرةً في الصدر , و كان صدرك أصلب من ان يستحيل مزقاً , فاحتوى الخنجر فيه , هكذا يا صاحبي –وكلانا يعلم أن ليس ثمّة صاحب- ترفع سيفَك في وجه الخطوب , و تمضي على فرس إلى عليائك الفرد أمام الرائين , لكنّ قلبك حتفك .

أجارتَنا إنّا غريبان ههنا

و كلّ غريبٍ للغريب نسيبُ

كنتَ تبحثُ عن أيّ دم يفهم قلق دمك , و كنتَ تعرف ان ليس ثمّة من يفهم الدم … أردتً من تراه فقط , هكذا يا رحّالة الثأر المقدّس تهضمك الوحشة لتبحث عن أيّ حضن غريب يحتوي وحدتك , هكذا تضع سيفك على أقرب عتبةٍ أنثى لتمحو عنكَ انقباض قلبك الهشّ الرطيب من نزيفه الباكي كما لا يعرفه الهاربون من طريقك خوفاً من غضبك الجافّ , كحلقِ الثأر .

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ و منزلِ

كنتَ وحدك وسط الهباء في نداء الذكرى , كانت تأكلك الوحشة و يهصرك شعور الفقد … يا وحيد اليد , حتى اخترعت خليليك كي ينقذاك من عتمة المنفى المطبق على هشاشتك … و لم يكونا هناك , و لكنّني كنتُ هناك معك يا صاحبي , و كلانا … كلانا يا ابن حجر , يعلم أن ليس ثمّة صاحب وقت البكاء .

و إنّ شفائي عبرةٌ مهراقةٌ

فهل عند رسمٍ دارسٍ من معوّل

أكان كشفاً لتصحو بعد نداء البكاء ؟! , هكذا ظنّ من لم يفهموك , و من يخضعون لترتيب الكلمات في الصحائف , و من يظنّون الشعر مساحةً لمعادلات العقل الباردة , لا … لم تشتكِ من لا جدوى النداء , و إنّما أعلنتَ انّك ستبكي رغم لا جدواه , لأنّ الشفاء ليس ما يعوّل عليه … و إنّما ما تريد , و لتشهر دمعك سيفاً أمام من لا يفهمك و يظنّ غايتك الوصول … لا السعي , هكذا كان بكاؤك دربَك … و كان بكاؤك ثأرك … و كان بكاؤك شفاءَك من شقاء الباحثين عن اليقين و عجز القناعة بالأسباب , كان بكاؤك حكمتك المعلنة : كان إعلان الضلال , لا ضلالك , و إنّما ضلال العالم .

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلِ

بصبحٍ و ما الإصباح منك بأمثلِ

ولكن انجلِ يا ليل , لا أريد لهذه القصيدة أن تملّ حتى لو لم تنته الصحراء , و حتى لو لم ينقشع ضباب الغابات عن صولجان الملك المضاع , المهمّ أن تتقن الحكاية و أن لا تتردّد , حتى لو انتهت بجسدك المقرّح قتيلاً على صخرةٍ بعيدةً عن ذكريات الفتوح .

و لو أنّما أسعى لأدنى معيشةٍ

كفاني و لم أطلبْ قليلٌ من المال

و لكنّما أسعى لمجدٍ مؤثّل

و قد يدركُ المجد المؤثّل أمثالي

هكذا , رميتَ العاديّ , و اقتحمت الصعب , مؤمناً بأنّك وحدك من له العرش المجيد , باحثاً عن مقعدك الفرد الذي لا يشركك به العاديّون الذين لم يخترهم الشعر و شجاعة الفتيان للخلود , لا أحد يا امرأ القيس انتبه لأنّك لم تذكر الفرسان معك … كنتَ تذكر الفرس وحده …. حصانك كان الرحلة و الطريق , وحده  من كان رفيقتك حقّاً ,  وحده من استحقّ مديحك الصعب في القصائد التي تملأ ليل العابرين الطويل , هذه النار المقدّسة فيك يا امرأ القيس ما بقيت تقطع ظهر الأرض بالخطو الجموح سنين العمر لا لأجل أن تبلغها , و إنّما حتى لا تنطفئ ..

و ما المرءُ ما دامت حشاشةُ نفسه

بمدرك أطرافِ الخطوب و لا آلي

لن يدرك أطراف الخطوب …. لكنّه لن يألو , لن يقنع بالعجز و يكفّ عن الرحلة حتى لو تمثّل له شمساً جليّة في نهاية الطريق , أغَفِل عنك الفلاسفة يا ابن حجر حتى لم يعلّقوا كأبناء الوحي كلماتك العشر على باب الحقيقة : ها أنت تروي خاتماً مسيرة الإنسان في هذا التيه الذي نسمّيه العالم , لم يغفلوا و لكنّهم يحبّون ملل الدروب الطويلة حتى يسكر السالك عن زيف الوصول الذي أشربوه احتماله في البداية …. ها أنت يا امرأ القيس تقف عارياً أمام المصير … المصير الذي لا ينتهي مهما كرّرته حكايات البشر الهائمين على وجه العاديّ … الذي يحاولون أبداً أن يلبسوه اسم المستحيل … المستحيل الوهم .

ولكنّنا تعبنا يا امرأ القيس …. تعبنا و أهرمنا الهمّ … و وقفنا و بكينا … و رحلنا إلى ما لا نعرفه لأجل أن نرحل عمّا نعرفه … و أكلتنا الدروب في التيه الطويل …. تعبنا يا صاحبي …. و كلانا … كلانا يعلم أن ليس ثمّة صاحب وقت التعب

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s