عن المحافظة و الثورة … و البوطي

لا بدّ من الإقرار بدايةً أنّ كلّ مؤسّسة تنحو نحو المحافظة و تكريس القائم , لكونها مؤسّسة , باعتبار المأسسة لا يمكن أن تتمّ دون أن تنبني على شيء من التكرار  والتنميط و المقولات الجاهزة .

و أنّ كلّ نسق معرفي و منظومة عقائديّة تريد أن يكون مظهرها هو المجتمع لا النخبة , لا يمكن إلّا أن تعتمد على طقوس و مأسسة تتحرّك على الواقع أوّلاً ثمّ رمزيّاً و خطابيّاً فيها .

و أنّ الفقه الإسلامي كان له فضاء و آليّات في تجديد نفسه منعزلة عن فضاء السلطة , و انّ الأمّة المسلمة كهويّة كانت واضحة الثبوت و غير مرتبطة في تعريف نفسها بتغيّر الدول , ما أثبته التاريخ مرّات , أي أنّه بالنسبة للشريعة فالأمّة و الدولة كات علاقتها تداخلاً وظيفيّاً عبر المؤسّسة أكثر منه تطابقاً أو تلازماً عضويّاً .

اعتبر الإمام الغزالي أن لا قيام لنظام الدين إلّا بنظام الدنيا , و استدلّ بذلك على وجوب الإمام و طاعته , حيث ترتبط مصالح العباد و الدين بالمؤسّسات التي يحفظ شرعيّتها نظام الدنيا المتمثّل بمؤسسة الحكم , فبانفراطها و التشكيك بشرعيّتها تنفرط شرعيّة العقود و احكام القضاء و حتى -وهذا هو الأهمّ- شرعيّة المفتين أنفسهم .

كان الإمام الغزالي و غيره ممّن حاولوا التأسيس الشرعيّ لواقع موجود سلفاً ( و في مقدمتهم الماوردي ) مدركين لكون نظام الدنيا الذي يؤسّسون و يدافعون عن شرعيّته ليس كاملاً ولا محقّقا حتى لشروط الإمامة كما بدأ بها الدين , ولكنّهم كانوا مضطرّاً من باب دفع أخفّ الضررين , الضرر الأثقل وزراً بالنسبة إليهم كانت هذه الفوضى (الثورة) التي لا يمكن لمصالح العباد المرتبطة بشرعيّة الحكم أن تستمرّ معها , و لا يمكن للمؤسّسة أيضاً أن تعيد إنتاج نفسها معها , إذ تفترض المأسسة نوعاً من الثبات بالضرورة , ولذلك تنزع كلّ مؤسّسة -لأنّها مؤسّسة- إلى المحافظة .

هذه المدرسة كرّست نفسها فيما بعد ذلك لتبدو أشبه ببداهات الثقافة , مدرسة المحافظة و اعتبار النظام فضيلة و الفوضى (الثورة) مجهولاً خطراً , حتى انتقلنا من ثورة عبدالرحمن بن الأشعث التي كانت تقوم على الفقهاء و التابعين  والقرّاء بشكل رئيس ضدّ الحجّاج في القرن الأوّل الهجري إلى أن يذكر الإمام النووي في القرن السابع الهجري الإجماع على حرمة الخروج على أئمّة الجور .

و لم يتحرّر منها حتى من كانوا ثوريّين في زمنهم , الكواكبي هو المثال الأوضح على ذلك , داعية الحريّة الشهير , و الذي خلافاً لما يعتقد الكثيرون , يعتبر الثورة -التي نحن فيها- غوغائيّة تأتي باستبدادٍ جديد , و يحذّر منها , داعياً لانقلاب بطيء يقوم على البطل التاريخي المخلّص الذي يغيّر تربية المجتمع كلّه قبل أن يتسلّل للدعوة إلى الحرية ضدّ الاستبداد .

و لم يتحرّر من ذلك , حتى الفيلسوف الإسلاميّ الوحيد في تاريخنا , و أحد المجدّدين النادرين في الفكر الإسلامي المعاصر الذين ساهموا في التأسيس الحقيقي و الجادّ لحداثة إسلاميّة على مستوى الفكر قادرة على الحضور كونيّاً , و أعني مولانا طه عبدالرحمن , لم يستطع التحرّر من هذا الإرث حتى في كتابه العبقريّ و الثوريّ “روح الدين” , و لعلّه أهمّ الكتب التي صدرت بالعربيّة خلال العقد الأخير دون مبالغة , بعد تفكيك جدوى المنظومات السياسيّة العلمانيّة و الإسلامية , و في تاسيسه للحلّ الذي يراه ذا جدوى مع استبداد الأنظمة و طغيانها , اعتبر أنّ الثورات و الانقلابات العسكريّة لن تكون إلّا جالبةً للدم و “قد” تكرّر فساد الأنظمة ذاته , معتبراً أنّ الحلّ الحقيقيّ إنّما هو في “الإزعاج” ويعني أن يصرّ المشايخ و أهل الصلاح على الحكّام بالنصيحة حتى ينزعجوا شيئاً فشيئاً إلى الصراط القويم , فيكون الإصلاح من داخل المؤسسة القائمة , أكثر هدوءاً و سلاماً أيضاً , و يكون الإزعاج للمجتمع أيضاً لا للحكم فقط , باعتبار الصلاح إنّما هو في الأمّة و تعويدها على الذكر و ربط مشيئتها بالله .

هذا النهج ليس بعيداً عن نهج التربية و أخلاق السلامة لدى كثير من الإسلاميين , و الذي ساد خلال عقود من الأنظمة القمعيّة , كضرورة ظاهرة لاستمرار الدعوة , و كمبرّر باطن لعدم الانقلاب عليها في الآن نفسه .

النهج المزدوج , الذي يلتفت للأمّة يربّيها و يقمع فسادها الفطريّ و يدلّها على الأذكار و طريق الهداية , باعتبار الدين حالّاً فيها , و يؤكّد عبر المؤسسة حلفه مع السلطة , أو سكوته عنها , حسب المرتبة في المؤسسة , هذا الحلف المبطن لأجل المصلحة المشتركة في استمرار الدين عبر الأمّه , دين الشعائر , و دين المعاملات , مقابل ضريبةٍ لا بدّ من دفعها لهذا الذي يتكفّل بالدنيا و يتركك .

ليست المسألة , أن تتركنا و نتركك فقط , إنّه الاشتراك في “موضوع السلطة” و مفعولها , الأمّة التي يجب قيادتها و تسييرها و حمايتها من نفسها , و التي لم تعد أمّة , و إنّما جماهير بالنسبة للدولة , و عامّة بالنسبة لأهل العلم , تُحجب السياسة عن الجماهير لانّهم جماهير , و يُحجب خاصّ العلم و حتى الحقّ في الخروج عن مؤسّسته بالنسبة لأهل العلم لا لأنّهم أهل علم , و إنّما لأنّهم مؤسّسة كأهل , مؤسّسة تتعامل كجماعة دم , لا كأفراد يتبعون فكرة .

كثير من مشايخ دمشق و حلب , عماد المؤسّسة , هذه كانت قناعتهم , خطر الفوضى , و ضرورة استشارة أهل العلم قبل ان يتحرّك العامّة نحو المجهول الذي لا يدركون الأحكام الشرعيّة للسير فيه للولوغ فيه , ولكن أخلاق السلامة التي اعتادوا عليه جعلتهم يطلبون السلامة من هذه السلطة القويّة الجديدة و يعتزلون الفتنة .

الشيخ البوطي , لم يكن بعيداً عن كلّ هذا الإرث , و الجدل الذي حاولت اختصاره -بشكلّ مخلّ- فوق , و يسجّل له انّه كان جريئاً , دون نفي العوامل الشخصيّة التي طوّرت السند النظري و ضخّمته إلى مرحلة من التبرير و النفاق و الدفاع عن الحاكم الظالم قلّ أن وجدت حالة مشابهة لها بين فقهاء السلطة من إخوانه .

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s