ركام لا يعمره المجاز

قال الفيروزابادي في القاموس إنّ “المدينة تعادل الأمّة”

المدينة هي أصواتُ من فيها و رائحتهم و تفاصيلهم الصغيرة كالألوان التي تتكرّر على حبال الغسيل , و مثل شتائم السوق التي تتكرّر في الظهيرة , و مثل الأماكن التي يمشون قريباً منها أو يجتنبونها بفطرة علاقتهم بالمكان ,
المدينة تعادل الأمّة … ليس ثمّة وجود صرفٌ للمدينة كمبانٍ أو كجغرافيا , المدينة ليست موضوعاً ماديّاً , و إنّما هي المظهر الكبير المركّب لتفاعل الإنسان مع المكان , المدينة امتداد للمجتمع مثل ابنةٍ مكانيّة له قبل أن تكون أمّه كذلك , في دورة خلق و ولادة تحدث كلّها معاً دون مراحل و بتبادل دائم للأدوار .
و المدينة تعادل الأمّة , لأنّ الحجر مرميّ في العدم إن لم تشكّل منه يد الإنسان أو عينه ذاكرةً .

ولكن أيّها الفيروزابادي …. ماذا نفعل بكلّ هذه الأحياء بلا ساكنين … و الأسواق التي بُتر عنها الضجيج …. بقلق الأمكنة كرحمٍ مجهض لأمّ مرميّة في العراء … كلّ التفاصيل متروكةٌ للريح , كلّ الذكريات مرميّة لتُنسى بين تفاصيل الحرب , كلّ البيوت الحافلة باجتهادات النساء في ترتيبها كحضن , و يسخافات الأبناء المنثورة تحت رماد الركام , و بالخطايا المختبئة عن أعين الأسلحة , في تلك الأحياء المهجورة من ساكنيها على خط القتال ….

لا أمّة في المدينة يا فيروزابادي , ولكنّ هذه المدينة ليست هنا في الركام و إنّما موزّعة في الأمّة الممزّقة الأمكنة … و صدّقني و اسأل النازحين عنها ولا تصدّق من يكرّر -لأنّه لا يفهم المدن- المقارنةَ السمجة بين الحجر و اليشر … لا تمّحي المدائن في أهلِها حتى لو امّحوا عنها نازحين … أو امّحوا فيها شهداء …

يا أبا طاهر :
في طريق المستقبل لن يكون التاريخ آخر الضحايا

_____

في إحدى قصص بورخس المجنونة , يتحدّث عن حربٍ عنيفة جرت في عصر الملك الاصفر الذي انتصر على خصوم البشر و حبسهم في المرايا و ألزمهم عقاباً ألّا يخرجوا عن صورة البشر , فيتشكّلون بأشكالهم و يتحرّكون بحركاتهم في المرايا …
ختم قصّته بأنّ قوم المرايا ينتظرون يوماً مسجّلاً في تاريخهم السريّ لينعتقوا من أسر البشر و يخرجوا من الزجاج …

في الهشيم المتبقّي من البيوت التي هجرها الأهلون و استراحت في أفق الصفير الصرف , في تلك البقايا المتناثرة من دمار الذاكرة و فراغ الدروب من أصواتها , لتغرق في قرار السكون الموحش , كنت ترى كسراً من المرايا بين الركام … لم تكن تعكس شيئاً … ولم تكن تحتاج ذلك … كانت تسجّل شهادتها الصامتة على أنّ خصوم البشر قد خرجوا

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s