لن تصبح إسرائيل صديقاً يوماً

لن تصبح إسرائيل صديقاً يوماً , و لن يصبح نظام الأسد مستحقّاً لغير الإبادة يوماً .

الجيل الممسوخ الذي كان يبرّر كلّ جريمة و مذبحة و استبداد باسم العداوة لإسرائيل و يصفّق لأيّ سفّاح يشتمها في خطبه , و كأنّ دماء الشعوب من ماء و دم الفلسطيني وحده من ذهب , هذا جيلٌ ينبغى أن يكون انقرض , و أصبحنا الآن أقرب لأن نكون بشراً و عقلاء , لأجل ألّا نكون أعداء فلسطين باسم الولاء لها .

و من يتوهّم أنّه ينتصر لفلسطين بموالاة الأسد , فعليه أن يعتذر للمئات من الشهداء الفلسطينيين الذين قضوا و هم يقاتلون جيش الأسد أو يتلقّون قصفه , في درعا أوّلاً ثمّ في حمص و اللاذقية و دمشق , و المنتشرين الآن في كثير من كتائب الجيش الحر و الجهاديين , ثمّ يعتذر لنفسه عن هذا العوار الأخلاقي الذي يجعل عقله ممرّاً لاجتهادات القتلة .

ممانعة المايكروفون , لم تفعل شيئاً أمام تحليق طيارات الإسرائيليين فوق القصر الجمهوري او بقصفها بموقع المفاعل النووي أو باغتيالها لخصومها وسط دمشق , قبل الثورة .
و بالبداهة الأخلاقية القصوى فإنّ هذه الممانعة المايكروفونية و حتى لو كانت ممانعة حقيقيّة و كان النظام على حربٍ مفتوحة دكّ فيها إسرائيل بكلّ الأسلحة قبل الثورة أو بعدها فهذا لا يلغي مجزرة حماة و تدمر و جسر صيدا و ساحة الساعة و الحولة و كرم الزيتون و دوما و التريمسة و جبل الزاوية و تفتناز و ارض الحمرا و الصنمين و الحراك و بصر الحرير و المعضمية و باباعمرو و الخالدية و اعزاز و حلفايا و الحفة و جديدة الفضل و داريا و بانياس (…. الخ)

ولم يخف أنّ خطاب إسرائيل و حتى المحافظين الجدد كان ينحو علناً منذ بدء الثورة نحو تفضيل الأسد العلماني الكابح و المقيّد للمجتمع و نزعاته الإسلامية , و يتبنّى خطاب الأسد نفسه عن أنّه يحارب جماعات جهاديّة , و بدأ التخوّف يعلو صداه كثيراً منذ شهور مع سيطرة الثوّار على مناطق شاسعة في الشمال السوري و تكريس أنفسهم كسلطة أخرى في البلاد , ومع تقدّم الثوار في الجنوب السوري , حيث سمحت إسرائيل للنظام بقصف قرى ضمن الخطّ المحظور باتفاقية الهدنة حين سيطر الثوار عليها , مع ما سعت إليه إسرائيل -بأذرعتها المختلفة- من شراء ولاءات تضمن محاربة الإسلاميّين فيما بعد , دون أن تخفي هلعها الدائم من وقوع الأسلحة الكيميائيّة و الصواريخ في “الأيدي الخطأ” كلّما تصاعدت معارك ريف دمشق حيث ترسانة الصواريخ و الأسلحة الكيميائية الأكبر , ما يقول إنّها بقيت أربعين عاماً في “الأيدي الصح” .
دوماً ما يشترك الاستعمار و الاستبداد في عداء “المجتمع” ذي النزعة الإسلامية و ثقافته و يعمل على شيطنتها و فرض نفسه كمعادل تنويري و إنساني مقابلها .

تركّزت الضربة على مقرّات الفرقة الرابعة في مناطق مختلفة من ريف دمشق ( بشكل مبدئي : مقر البحوث العلمية في جمرايا , و اللواء 105 و اللواء 104 و مدرسة المخابرات في الداماس , مستودعات الحرس الجمهوري في سفح قاسيون ) لم يعلم أحد حجم الدمار بعد بشكل دقيق , لكنّ المؤكّد أنّ الأسلحة الكيميائية و مستودعات الصواريخ كانت الهدف الأوّل .
تعتبر القطع العسكريّة في ريف دمشق هي الأكثر تحصيناً و تجهيزاً في كلّ سوريا , و هي مسؤولة عن عشرات المجازر في ريف دمشق الذي يتحمّل النسبة الأكبر من الدمار و الشهداء في سوريا (حوالي ربع عدد الشهداء في كل سوريا) , و كذلك هي مسؤولة عن مقتل المئات في الشمال السوري بإطلاق صواريخ السكود و جولان نحوها , إضافةً لإمدادها مختلف الجبهات في درعا و حمص و غيرها بالمقاتلين و المعدّات , و تعتبر أهمّ قواعد النظام العسكريّة .

لا شكّ أنّ الضربة أضرّت النظام كثيراً , و إن كان لا يمكن معرفة حجم الضرر الآن , و دمّرت (بشكل جزئي أو كلّي) مواقع كان يعتمد عليها في فرض سطوته العسكريّة في دمشق و كلّ سوريا , خاصة بالنسبة للصواريخ بعيدة المدى , و هذا سيكون له تأثيره على المعركة في ريف دمشق خاصّة , تأثيره المادي و المعنوي , و قد نسمع عن تقدّم مهمّ في الغوطة الغربية نتيجة ذلك .
لكن هذا لا يعني أنّ هناك حسماً قريباً , أو أنّ معدّلات القتل و المجازر ستنخفض , على العكس قد نرى انتقاماً عنيفاً للنظام في مناطق مختلفة من السوريين , لأنّه يعلم أنّ انتفاض هؤلاء السوريّين ضدّه و عدم قدرته على ضبطهم و اهتزاز صورته كضمان للاستقرار و سلطة وحيدة في البلاد هو السبب في خسارته الأخيرة لهذه الترسانة ,و مع الفجر التالي للانفجار استخدمت الأسلحة الكيميائية في جوبر و اشتدّ القصف الصاروخي على مناطق مختلفة على غير توقيته المعتاد , و لم تحتج مجزرة كمجزرة بانياس – التي لم تنته بعد – إلى أكثر من أسلحة خففة و سواطير ذُبحت بها عائلات بأكملها و أُحرقت عائلات أخرى , و مع شعور النظام بالتهديد و الضعف فالأرجح أنّ المجازر ستزداد ولن تنقص , خاصّة في المناطق التي يسيطر عليها في الساحل , حيث غرض التهجير الطائفيّ في صميم المذبحة الطائفيّة .

مخطئ جدّاً من قد يفكّر بأنّ مساعدة السوريّين أحد أهداف الضربة , المجتمع الدولي -الغربي بالضرورة- عامّة يريد لسوريا أن تكون كياناً مدمّراً منشغلاً بفوضاه و ينوء بنفسه و مشاكله عن لعبة الكبار , و فاقداً لأيّ اساس متين , او قدرة على تهديد مصالح الآخرين أو الوقوف في طريقها , كيان ضعيف , لا يمتلك قوّة عسكريّة أو ايديولوجية أو اقتصادية أو استقراراً .
كان حظر الأسلحة على الثوار و التدخل عشرات المرّات لمنع وصولها إليهم أحد الطرق لفرض هذا الكيان و لتكريس ديمومة الصراع , و كذلك وضع جبهة النصرة على لائحة الإرهاب و السير مع خطاب النظام في اختزال الثورة بوجهٍ جهاديّ يقف أمام نظام علماني يحمي الأقليّات , و ضربة الترسانة المسلّحة من صواريخ و مراكز أبحاث تدخل ضمن المخطط نفسه ( حتى إن كان من نتائجهاغير المنْويّة كسر المعادلة العسكرية لصالح الثوار و لصالح مئات الآلاف الذين كانوا ينتظرون الموت من هذه المواقع ) , هذا المخطط نفسه الذي قد يكون هدفه التالي ضرب معاقل الإسلاميين , إن لم يجد من ينوب عنه في ذلك , أو إن كان يريد تثبيت سطوته و قدرته على التحكّم أمام السوريّين و العرب و أنّه لن يسمح للأمور أن تخرج عن سيطرته .

قدّر لهذه الثورة المعجزة أن تحارب أبشع أنظمة القمع و أن تتحمّل الكلفة الأعلى و الأكثر دمويّةً و عنفاً و دماراً في سبيل الخلاص من هذا الاحتلال , و قدّر لها أيضاً أن يكون لها أعداء كثيرون لا يريدون لها أن تمضي لمستقرّها …. و لا فائدة من تمنّي أنّ هذا لم يكن أو الهروب من التحدّيات التي تزيد كلّ يوم , فهذه ضريبة أيّ تغيير و طبيعة أيّ صراع أن يحاول الكثيرون تطويعه لمصالحهم .
هذا هو نهر التاريخ يمشي … و نحنُ ماؤه الذي يتخبّط بين المجاديف و الريح و الوسخ الكثير …. بحثاً عن منفذ واحد للهواء النظيف …

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s