جَلْدُ سراقب و شكلنة الشريعة

أسوأ ما في فيديو الجلد في سراقب هو جماهير المؤيّدين للفعل بعنفٍ لفظي لمجرّد وجود اسم الهيئة الشرعية فيه و ظهور السوط بيد صاحب اللحية .

تركيبة المنظومة الفقهية لاتي تعتمد عليها الهيئات الشرعية , هي مبسّطة , و لا تنتمي لتراكم المباحث التشريعية التي شهدت زخماً مضاعفاً فيما تلا نشوء الدول الوطنية , و وعي الفقهاء على واقعٍ مغاير يستلزم بالضرورة تجديداً في رؤية الفقه للقوانين و العقوبات , باعتبار الفقه من حيث تعريفه لا تستلزم فتاواه الثبات و إنّما هو حركة اجتهاد مستمرّة متأثّرة بظروف المكان و الزمان و المجتمع منبنيةً على أصول فقهية هي الثابتة , أي أنّ أحكام الجلد ليست بدعاً من الأمر و لا حدثت للمرّة الأولى حتى تكون مفاجئةً للمطلعين على واقع هذه المحاكم , و التي تتخيّل أنّ عقوبة الجلد هي “العقوبة الإسلامية” المقابلة للعقوبات الوضعية , و إن كانت أكثر عقوبات الجلد تُنفّذ شكليّاً دون أن يؤثّر ذلك على جسد المعاقَب أو يكون تعذيباً حقّاً , في مراعاة لأثر الحرب في تخفيف العقوبات و في أنّ العقاب الرمزي هو الأهمّ .

كثيرون مستعدّون لتأييد أيّ مظهر لمجرّد انتمائه -من حيث الشعار- إلى تطبيق الشريعة و إلى اجتهاد المجاهدين , خاصّة حين تكون الشريعة لدى كثيرين ليست أكثر من اسم ذي رمزيّة و قداسة تحدّد هويّته , لكنّه اسم في الفراغ , يكفي وجود مرجعيّة موثوقة ليؤمن بما تنسب للشريعة و ما تفعل باسمها , مع طغيان الأثر الشكلاني على هذه الشريعة و معالمها , بحيث للمجاهد زيّ يميّز به عن غيره , و له راية تميّزه عن غيره , و له طريقة في الكلام كذلك , تميّزه عن سواه , حتى لو كان فعل الجهاد نفسه و إنجازاته على الأرض ليست خاصّة به و إنّما هي لدى سواه ممّن لا يدعوهم “إسلاميين” قبله .
و هذه الشكلانية تفرض نفسها على فهم معنى الدولة الإسلامية و معنى تطبيق الشريعة و معنى المسلم أيضاً .

اختزال الإسلام بتطبيق الشريعة و اختزال الشريعة بالقانون ثم اختزال القانون بالعقوبات ثم اختزال العقوبات بالجلد , سيرورة من الاختزال و إساءة الفهم و تشويه المصطلحات … لكنّها نموذج سهل و يعطي كلّ أحد ملكة الحكم فوراً على أيّ معضلة … و لهذا تنتشر

ساهم في ذلك غياب الخطّ الأقرب لتديّن المجتمع من المشايخ , و انتماؤهم أوّل الثورة إلى الفئة المؤيدة أو الصامتة في أحسن الأحوال , ثمّ انتماؤهم إلى خط معارض دون تقديم خطاب شرعي مقارب للوضع الحالي و دون أن يكونوا موجودين في الوضع نفسه , إذ اكثر المشايخ الذين أعلنوا مواقف معارضة خرجوا إلى تركيا و الأردن و الخليج .

و كان الشيخ معاذ الخطيب سيقدّم للثورة ما هو أفضل كثيراً , وهو من قلّة قدّموا خطاباً إسلاميّاً تجديديّاً منذ ما قبل الثورة , إضافة لما له من شعبيّة قادرة على تشكيل رأي عامّ و ظاهرة إسلاميّة واعية , لو كان سنداً للثورة المسلّحة , كما كان مشايخ الشام سنداً للثورة على الفرنسيين قبل تسعين عاماً , و كما كان بعض المشايخ الأعلام قبل ثلاثين عاماً , ركّز خطاب الشيخ على الحالة المدنيّة و السلميّة أكثر , واعتبر أنّ حمل السلاح ضرورة , رغم أنّه الواقع الذي يكاد يكون وحيداً الآن , و كان المطلوب منه أن يوجّه هذه الحالة الجهاديّة العامّة و يتعامل معها من منطلق المنظّر لها و المتكلّم باسمها , باعتبارها عنوان نضال السوريين الآن و مظهر تديّنهم أيضاً , لا باسم كونها ضرورة و شرّاً لا بدّ منه , بدل فرض قطيعة مع أكثر من مئتي ألف مقاتل لا يجدون غير منظّري السلفيّة الجهادية من يقدّم خطاباً شرعيّاً لهم , بسبب التديّن الناعم الذي ورثه عن المؤسسة الدينية الدمشقية و لم يتحرّر منه .

و رجوعاً إلى أسوأ ما في الفيديو , فإنّ حادثة الجلد تقدّم حالةً , حتى لو وُجد غيرها و لم يصوّر , لكنّ الفيديو نفسه يقدّم حالةً واحدة , النقاش العنيف و الدفاع المستميت و الهجوم على من ينتقد “المجاهدين” أوضح أنّ هذه الحالة تشكّل ظاهرة …
و أسوأ ما في حالة فرديّة خاطئة أن توضّح لك أنّها ظاهرة اجتماعية من الخطأ …
و هذا بالضبط , مواجهة الظاهرة لا انتقاد الحالة , ما يجعل مواجهتها و مواجهة الوعي الذي أنتجها من الضرورات ..

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على جَلْدُ سراقب و شكلنة الشريعة

  1. يقول ضياء:

    إذاً هل يمكن استبدال الجلد كعقوبة في الفقه الإسلامي ؟ و ماذا عن وجودها في القرآن نصّاً ؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s