الاستشراق المعكوس في النظر إلى الحضارة الإسلامية

ثيراً ما يحاول الغيورون على الحضارة الإسلامية الدفاع عنها ضدّ الدعاية الاستشراقية الغربية التي تدعي عقمها و فقرَها الإبداعي و التجديدي في تاريخ العالم بأن يستشهدوا بإنجازات المسلمين في العلوم المحضة كالرياضيات و الكيمياء و الطب , أو في الفلاسفة المسلمين الذين أسهموا في “نقل التراث اليوناني” و شرحه .

كلا الطريقتين تتأسّس من رؤية استشراقية فتنطلق من معايير الحضارة الغربية الحديثة لإثبات تفوق الحضارة الإسلامية , فتستدعي إنجاز المسلمين فيما تعتبره الدعاية الغريبة -في مستواها السطحي- إنجازاً , فتحاول إثبات أنّ المسلمين اهتمّوا بما اهتمّ به الغرب و أنجزوا في الحقول التي تخصّهم .

بينما كان منجز الحضارة الإسلاميّة الأهمّ , و إبداعها التجديدي الخاصّ , هو في الأفق التشريعي التفاعليّ الواسع الذي نشأ و امتدّ معها عبر ممالك و أزمنة و أمكنة مختلفة و المتمثّل بدايةً بالفقه , و في أسلوب استنباط الأحكام العمليّة و النظريّة من النصّ المؤسّس الذي يستند عليه التفاعل مع الواقع و طريقة التفكير و سير الأمّه في التاريخ و المتمثّل بأصول الفقه , و في الجدل العقليّ العميق و الثريّ لتأسيس نظريّة ميتافيزيقية عن بنية الكون و صفات الله و علاقة الإنسان به و المتمثّل بعلم الكلام .

 هذا بالنسبة للإبداع “الفلسفي” بمعناه الأعمق , و المتعلّق بتأسيس بنية تفكير خاصّة و عقلانيّة ذاتيّة , تجدّد نفسها عبر الأمّة التي لا تقف بين واقعها و فكرِها على الحياد , بل هو مثلّث متفاعل متجدّد على اختلاف نسب التأثّر و التأثير , لكنّه ليس منبتّاً و منفصل الأجزاء , و لا يغيب في الحديث عن إبداع هذه الحضارة و إضافتها المعرفيّة ما تأسّس من مدارس و مذاهب و نقاشات ضخمة في اللغة و الأدب و التاريخ و الحديث و التفسير و التصوّف , ما شكّل مكتبةً غايةً في الثراء و التراكم النظري و العلمي حول هذه الحقول المختلفة المؤتلفة ضمن الفضاء العلميّ العامّ .

و هذه الحضارة أبدعتْ مجتمعاً علميّاً اعتُبر نخبة المجتمع , أو إن أردنا أن نكون أكثر إسلاميّة , فقد اعتُبر “بَرَكَة” المجتمع , و معيار تقييمه لأفضليّته , و مستوى تأديته للخير في الأمّة , و أنشئت فيه الأوقاف لتضمن للمنشغلين بالتعلّم أماناً اقتصاديّاً يتكفّل به المجتمع باعتبار الوقف احد مؤسّساته الثابتة على تغيّر الأجيال , و لأنّ تأمين أرزاق المتعلّمين و حاجاتهم من قربات المجتمع إلى الله , و من واجبات الدولة لتكسب شرعيّةً رمزيّة فوق شرعية السلاح المادية .

و هذا التحيّز و الخلل في النظر إلى هذه الحضارة , يتوضّح في المصطلحات بدايةً قبل الديباجات التي استخدمت فيها هذه المصطلحات , حيث حُصرت تسمية “الفلسفة” بما كان بحثاً في استشاكالات الفلسفة الإغريقيّة و سيراً على طريقِها , و إن كان هذا الحصر ايديولوجيا بحتاً يتناقض مع تعريف الفلسفة في أصله , و أطلق “العلم” على ما تدعوه الأكاديميات الغربية المرتبطة بالمصالح الاقتصادية الآن علماً , مثل الرياضيات و الطب و الكيمياء , و إن نظرنا إلى “علم” كالكيمياء فإنّه كان مرتبطاً بحيلة تجارية لأنّه كان يعرّف للعامة باعتباره علم تحويل العناصر إلى ذهب و تُستهلك عقول الكثيرين من الباحثين عن الثروات و أموالهم في ذلك , وكان لدى الخاصة عقيدةً متعلّقة بمعتقدات الصابئة و مدرسة حرّان في العناصر و السيمياء و وحدة الوجود , و جابرُ بن حيّان أشهر كيميائيّي العرب كان له مؤلّفات كثيرة عن وزن الحروف تأثيرها في الوجود و فلسفة “النفس الكليّة”  , بينما باقي البحث العقلي و العلمي و العرفاني الذي أبدعته هذه الحضارة و أسّست واقعاً معرفيّاً و هويّاتيّاً لأكثر من نصف الأرض المعروف وقتذاك , أطلق عليه جميعاً في دلالة على انقطاعه و انغلاقه على زمنه “التراث” .

هذه الحضارة لم تُدرس كفايةً , و كثيراً ما أهينت , و أسوأ ما حصل أنّ من حاول الدفاع عنها أو البحث فيها كانوا -في غالبهم- من الجهلة أو المهزومين .

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s