هذا الذي لم

1

كلّ فراق دليلٌ على لقاءٍ ما قد حصل إن راعينا اللغة , لكنّه في العمق دليلٌ على اللقاء الذي لم يحصل .

هذا الذي “لم” , دوماً ما نحاول استرداد ثقتنا أمام اللوحة بالقول إنّه قد غاب عنها , و لأجل أن لا تفقد الألوان معنى اتساقها نبحث عن القدر … أو الصدفة .

منذ بدء الإنسان (الذي نسي) يقف محتاراً ولكن بقسماتٍ جادّة أمام اللوحة , و يقول ثمّة ما “لم” , و يكرّر في كلّ مرّة , افتقاده لما قد غاب … أعني حنينه لما لم يَرَه .

لا أحد في الحقيقة فهم اللوحة , أو حاول النظر إليها بإمعان … لأنّهم كانوا ينظرون لأنفسهم … أو بالأحرى كانوا يحاولون النظر لأنفسهم من زاويةٍ لا تغطّيها الخيبة التي كلّلتهم  , و لا أحد …. لا أحد رضي بالتسليم أنّ اللوحة إنّما هي بالضبط هذا الذي لم …

2

انبنت الحياةُ على هذا النقص , على اللامتحقّق , الذي نجري وراءه وهماً أنّنا سنحظى بكمالٍ ما يفلت من كمّاشة الأقدار , ما بين رغبة الوصول و الغاية المستحيلة يتأرجح الإنسان دوماً في عبثِه الذي يزداد قتامةً كلّما نَسي … نسي نقصان الحياة … نقصانَه هو نفسه .

في لحظاتٍ ما سيصحو و يشكو من التيه , لكنّه لن يلبث أن ينوء بثقل الكشفِ , و سيؤوب إلى دورِه القديم , معتذراً من الحقيقة : كانت إغفاءةً قصيرةً لا غير .

هي أدوارٌ إذن , نلهو بها عن الصحراء , و نعقلن بها سعيَنا اللامعقول إلى الكمال , ليس الكمال بمعناه الإلهيّ ما أقصد , و إنّما هو اكتمال اللوحة , تلك اللوحة التي ما زلنا نقف أمامها و نردّد لمن نتوهّم اهتمامهم بنا إنّها ناقصة , و لكلّ لوحته التي يظنّها ابنة وحدِها و يطلب من الآخرين أن يصغوا له و ينوحوا معه على النقص الذي يتيقن منه في اللوحة , و في هذا المعرض المستدير الذي لم يزل ملء نفسِه منذ الأزل , فالكلّ جمهور و الكلّ يحمل لوحةَ همّ عميق جدير باهتمام الباقين و الكلّ لوحة , و الكلّ هاربون من حكاياتهم التي لم تكتمل …. و يروغون من المرايا التي تظهرهم , لأنّنا في وقت ما سندرك أنّنا نحن اللوحة و النقص دربُنا الأبديّ الذي لا نملّ السعي لننهيه و نكتمل .

و ما المرءُ ما دامت حشاشةُ نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي

3

القلق .

ما لم يذكره أدب الكاتب أنّه يجوز أن نستعمل النقطة بعد كلمةٍ واحدة , في حال كانت هذه الكلمة خصم النقطة الواضح و الغالب ما دامت الحياة , قبل أن تحلّ النقطة مرّة واحدة حين ينتهي كلّ شيء .

القلق , كلمةٌ تحكي نفسَها , و علينا أن نسلّم بدايةً أنّ اللغة سواءٌ تنزّلت للإنسان من السماء أو وُلدت من باطنه فهي أقدم من إحساسه الآني , لأنّها عدا عمّا تشكّل و تصوغ من وجدانه و سلوكه , فهي الباب الذي مرّ فيه البشرُ قبله متّفقين على أنّها دربُ العبور المشترك و الخاصّ معاً نحو عتمة أنفسهم , اللغة مخزنٌ متراكم و قديم للحقيقة السراب … للرغبات و الأسرار التي اتفق عليها الخصوم لأنّها تردّهم إلى ما قبل خصومتهم إلى صبغتهم الأولى المعدّة لحريق الحياة … و لاتساق المعنى الهارب اللاملموس في صوتٍ يُحسّ , اللغة أعمقُ من الباطن و أقدمُ من اللسان , في البدء كانت الكلمة .

” نمشي على سلكٍ من اللغة الأصيلة أعزلِ الطرفين أرفع مرّتين من الصراط المستقيم ” *

و على أحداقِنا نمشي , هكذا عراةً إلّا من وخزٍ خفيف تتزن عليها القدم الموشكة على الهاوية , و نخترع الشعر و الأغنيات بحثاً عن قناعةٍ ضالّة أنّنا راسخون على جبل , و هكذا ماشين نهبَ الاحتمالات التي لا تعدّ و لا تُخصى ( و ليس هذا خطأ في الإملاء ) , لم نجد من اللغة ما يشبهنا مثل القلق , إنّنا قلقون … و لذلك نقفز و نضحك و نبكي , و لذلك نصلّي و نحبّ و نقاتل … و في النهاية التي لا نهايةَ سواها للقلق : نموت .

و هكذا , منذ نَسي الإنسان , قلق , و سيبقى .

4

لكلّ منّا حكايته , حكايةٌ طويلةٌ نعتقد فهمَها لأنّ اكتمالها يقينيّ في غد الآخرة , تضمّ شتاتاً من حكاياتٍ صغيرةٍ لم نفهمها … لأنّها لم تكتمل .

و حكايات حكايات , لكلّ من التائهين في أدوارهم التي رسموها كي يلهوا أنفسهم عن وحشة الصحراء , حكايتُه التي لم تكتمل , و حكايته التي يوقن أنّها ستكتمل و يسعى حثيثاً حثيثاً نحو اكتمالِها الأخير … و لن يعجز و لن يرتاح و لن يسلّم لاحتمالات النقص سطوتَها , كما يليق بفارسٍ في معركة المصير , و كما يليق بالرجال الذين يقسمون على صدورهم كالمصاحف , و لكن الحكاية لن تكتمل , هو لن يُهزم … ولكنّه سينتهي قبل أن يتذكّر … و قبل أن ينقضّ على القلق , قبل أن يرى هذا الذي لم ..

و نحكي , لنقول للزمن إنّنا نراه و قادرون على السباحة فيه , و لنقول لأنفسنا إنّه كان ثمّة غيرُنا في هذا العالم يحظون بفرادتِنا , أو لنقول للصحراء إنّنا محوطون رغماً عنها بمن يهتمّون لحكاياتنا التي لم تسمعها .

و لنقتنع أنّنا قادرون على هزيمة الخصم الذي هَزَمَنا , الخصم الذي لم يحمل علينا سيفاً و إلّا لمزّقناه به كما لا تشكّ محفوظاتنا من الشعر و الكبرياء , و إنّما حمل علينا النقصَ الحتميّ الذي في الحكاية … فينا … حمل علينا هذا الذي لم ..

و لأنّ كلّاً منّا يحمل في صدره – كما يقول كونديرا بحقّ – التاريخَ الحزين للإمكانات التي لم تتحقّق .

و لذلك نختار أن نحكي , لنتغلّب بالكلام على من غلب المتكلّم , لنبحث في فضاء اللغة الرحب عن احتمالنا الذي نخترعه نحن و نعجن قالبَه بغيظنا المتراكم من الخيبات , مراغمين به عدوّنا الوغد : الاحتمالات التي تتلاطمنا دون هوادةٍ ولا اختيار إلّا لإحدى إمكانات الخسارة .

فلَنحْكِ : كانت تحبّه , (هذا معتادٌ جدّاً ) , و لم يكن يعلم إن كان يحبّها , ( ما زلتَ ضمن المتوقّع الإنسانيّ الأوّل ) , و لكنّه على خلاف ما تقتضي رغبةُ السعادة اختار أن يطمئنّ إلى لا حبّه , ( محاولةٌ نابهة للخروج من المكرّر الواقعيّ لكنّ الاحتمالات تترصّدك فانتبه ) , و حين كانت تنظر في المرآة كانت تراه , ( لأنّه كان الامتداد الذي اختارتْه لذاتِها لتتمّ به ما لا ترغب التلوّث فيه من الفضائل ) , و حين كان ينظر في المرآة كان يجد من هي أجمل و أقربُ لعليائه , ( علّموه في المدرسة العلا و المجد فظنّ كلام المدارس ذا جدوى بخصوص النساء ) , و كانت تسترضيه بابتسامها العذبة , ( ما كان يراه ابتسامة استجداء منفّرة ) , و كان يذكّرها بأنّ الحياة كبيرةٌ على عكس الأمثال فهو لم يجد مستقرّه بعد , ( احذر فالواقعيّة المحسوبة أخت الاحتمال اللامحسوب و قناعه ) , و في يومٍ ما حلُمت بفارسٍ أطول فاستيقظت مبلّلة القلب و لمّا نظرت في المرآة رأت شعرَها الكستنائيّ الغزير وحده , ( يبدأ السكرُ من لثمة الكأس الأولى كما انتبه القهاء بذكاء ) , و لمّا انتبه أنّ ما أنبته قد انبتَ عنه كانت قد سافرتْ في احتمالٍ آخر ليس أكثر إمكاناً ولا أقلّ ولكنّه احتمالٌ وحسب … بينما كان هو يبكي حبّه الوحيد . ( أحسنت … حكايةٌ لم تكتمل .. و يحكمها الذي لم … ولكن , أنسيت أنّ كلّ الحكي كان لقتلِه ؟! )

5

قد لا نحكي دوماً لنهزم هذا النقص و نغطّي عورة الكلمات التي لم نقلها , و الحكايات التي لم نكملها , و لنهرب من الحنين الموجع إلى ما لم نعرفه , أحياناً نقرأ .

القراءة , محاولةٌ ذكيّة لأجل أن يحكي لنا الآخرون , ولكنّها في الوقت ذاته تجعلنا نحن من نحكي , إنّه إيهام ممتدّ بأنّنا نمتلك حكايات الآخرين , لنعوّض نقص حكايتنا الخاصّ , ولكنّه إيهام لذيذ و لا بدّ منه لنكون جماعةً من البشر تسير في التاريخ و تهزم موتَها فيه , اللغة بعدٌ خامس لم يتنبّه له اينشتاين و إلّا لأصبحت الفيزياء أكثر وجدانيّة و انسياباً , إنّه الاتساق يا صديقة ما يجعلنا نشعر بالجمال , الجمال أمام قانون فيزياء لا يبتعد في جوهره عن شعورنا بالجمال أمام طفلةٍ تلعب مع ظلّها , إنّها وحدة المتصوّفين المتدرّجة بالجمال إلى الجلال و بالتأمّل إلى التكمّل , تلك وحدة الدلالات في اتساقها إلى المدلول الأوحد , و المدركة أنّ التغلّب على النقص في الحياة إنّما هو بالتأمّل الطويل فيها , التأمّل الذي لن يترك وقتاً لمعاينة الحياة نفسها , إنّه إيهام لذيذ آخر أيضاً إذن , ولكن متى كانت اللذّات تبلغ ذروتها إلّا مع الغفلة المقصودة عن الواقع و التسليم الممتنّ للوهم ؟!

و ستقرئين أنّ المعرّي أبا العلاء منذ أربعين عاماً لم يخرج من بيتِه , و أنّه كان ضريراً غارقاً في محبس العتمة و الوحدة , محوطاً بأصوات شتى تلتهم الصمت المهيب في داخله , و أصوات أصوات تأتيه باستشكالاتها و تمضي باستدلالاته , و لا أحد لا أحد سواه يسمع وراء جلسته الوقور صغير الوحدة الحزين في صدره المهيب , و لا لون سوى العتمة , و ما زال يملي و يملي هازئاً من جهل المبصرين و ارتباكتهم المفضوحة كلّما حاولوا أن يظهروا له ترقّيهم في مدارج العلم و قدرتهم على الأسئلة الصعبة , علّهم يحظون بكلمةٍ من الضرير قد تشي بمدحٍ ما , إنّها ارتباكة المبصرين الأحرار منتهبي اللذّات أمام الضرير الحبيس المحروم من غير كلامه , و هي في الظاهر ارتباكة الكاملين أمام الناقص , ولكنّها في باطنهم العاري وفي الآن نفسه كانت ارتباكة النقص أمام الكمال .

و كان المعرّي قد حرّم اللحم على نفسِه , و استهزأ من ترفِ الغنى , و من فضول الكلام , و كان وهو الذي لم ير الدنيا قد رأى الآخرة و أملى على مريديه وصف الجنّة و الجحيم كما لم يروِه قبله أحد , و كأنّما كان تعاليه على نقص الدنيا قد أدّى به إلى اكتمال الآخرة , و كأنّما العتمة و الوحدة و جَرسُ باطنه الخفيّ قد كشف له العالم الرحب المخزون فيه , حيث يشرف على الأزمنة و الأمكنة كما لا يسطيع المقيّدون بمحبس الدنيا , و كأنّما التنصّل من الإمكان مكّنه من اللاإمكان , هذا مثاليّ و متسق مع نظرية النقص , ولكن رسالة الغفران لم يكن مقصودها الآخرة حتى و إن شغلتْ قسماً من موضوعها , و إنّما كما يعرف من قرأ الرسالة كان مقصودها اللغة … نعم اللغة , لقد كانت اللغة هي الكمال الغائب .

لم يكن المعرّي يعرف أنّ بورخيس يخاف من المرايا … يخاف أن يرى نفسه , و لا سمع بأنّ فان جوخ قطع أذنه , ولا توقّف عند تكرار سقراط لتلاميذه : إنّه لا يعرف … و لأنّه لا يعرف فقد كان اطمئنانه العميق المرح أمام الموت , و ربما لم يخبره تلامذته أنّ التوحيدي قد أحرق كلّ كتبه قبل مماته انتقاماً من جحود العالّم , و لا أنّ فرجينيا انتحرت بحثاً عن أنوثة كاملةٍ لا تشبه الحياة , ولا أنّ بيته لن يعتزل الناس مثلَه… و أنّ الحرب لن تستثنيه من القصف .

كان المعرّي شيخاً بائساً و مضجَراً و يملأ قلبَه السأم و تنهشه الوحدة و أفكار الشؤم , و يستعر حقداً على النور الذي لم يره و على انهماك الناس في أدوار المسرحيّة و على قفزهم الطويل هرباً من نقص الحياة الذي يلعنه … و يتمنّاه , و كانت ليلةً قارسة الريح حين خاطب الشتاء :

تعبٌ كلّها الحياة فما أعجبُ إلّا من راغبٍ بازدياد

على جانب كتفي الأيسر و أنا أقرأ بيت المعرّي الأخير , كان أعلى شجرةِ حور تداعبه الريح , و كانت ورقةٌ ليست أعلى ما في الشجرة , هادئةً و منسابةً مع الهواء و مستغرقةً –كما هي دوماً- في نشيد الحفيف الطويل .

و ستسألين : لماذا أعبأ بهذه الورقة ,

 و سأجيبك كما أنتظر منذ زمن بعيد : لأنّها لا تعبأ بكلّ ذلك .

6

من المنطقيّ أن نتحدّث عن الجنس , ليس لأنّ الرقم يوحي بذلك , و إنّما لأنّه يبقى منذ تنزّلت حوّاء تسحب آدم إلى أرض التفّاح أوّل محرّكات الهرب النهم الذي نسمّيه توقاً و سعادةً و اكتفاءً , لكنّنا لن نتحدّث , لأنّ المنطقيّ في العادة ليس هو ما يحدث .

و هكذا سيأكلنا قلق لم نختره , وستشربنا رياح التيه , و لن نملّ الركض وراء الحكاية عطشاً لكمالٍ لا ماء فيه , و القفز على أسئلةً معلّقةٍ كنجوم الأبراج , و سنمشي و نمشي على نعشِنا المرتاب و على حيرتنا العنيدة وراء السراب الأليف , إلى أن تنفد الصحراء … إلى أن يزول العدم … إلى أن يكون العدم .

 و ما المرءُ ما دامت حشاشةُ نفسه بمدرِكِ أطرافِ الخطوبِ …. ولا آلي

7

من يمكنه ألّا يأخذه شغف هنري كوربان إلى أن يشعر بكيانه نفسِه تأويلاً ناقصاً للسبعة حين يتحدّث عن الإسماعيليين , كان كوربان شغوفاً بالتأويل و الإشراق و العرفان , مشغولاً بمسافات السفر الباطنيّ نحو الحقيقة بحثاً عن المطلق الكامل و المعنى المخزون في اللغة التي يقيّدها الظاهر الناقص لعالمٍ لا بدّ من تجاوزه بالتأويل إلى حدائق النور …

و منذ بدء البدء كانت الأرض سبعاً و السماوات , و كان طواف العبور نحو الطهارة , نحو البراءة الأصليّة للإنسان قبل تلبّسه بغبار الدنيا , كان سبعاً

و بإمكان أيّ شغوفٍ بالأسرار أن يبحث عن هذا الرقم الصعب في الأساطير القديمة و المعابد و السحر و الشعر و السوق .

ولكن ليس لأيّ من ذلك نختم هذا القول هنا , و إنّما لأجل لا شيء , للعبث المحض , أو إن شئت الدقّة لأجل هذا الذي لم …

____

* من قصيدة للصديق بهاء السيوف

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على هذا الذي لم

  1. يقول Safa Al-Zghoul:

    مكثت طويلاً هنا ! شكراً احمد

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s