الدانا : بداية صدامٍ لا مفرّ منه أم فاتحة للمراجعة ؟

مهما كانت تفاصيل ما حصل في قرية الدانا في ريف إدلب ,  وما تضمّنته من ذبح قائد لواء في الجيش الحرّ مع شقيقه و تعليق رأسيهما في الساحة العامّة و مقتل غيرهم , و مقتل خمسة عناصر من الدولة , فما لا شكّ فيه أنّنا مقبلون على اشتباكات أخرى .

شئنا أم أبينا فهناك اختلاف كبير جدّاً في رؤية هذه الحرب , فيما بين كيانين واضحين : دولة العراق و الجيش الحرّ , هذا الاختلاف لم يكن ليشكّل أيّ خطر فيما لو أنّ المطلوب قتال الأسد فقط و الخلاص منه و ترك الناس لمصيرهم , ولكن الحاصل وجود مشروعين سياسيّين متباينين تماماً , و هذا ليس فيه مشكلة لو أنّ وجود السلاح محصور في جبهات القتال فقط , بينما في الواقع هناك مناطق محرّرة من سلطة النظام , و هي مناطق شاسعة لا يطمع النظام باستردادها , ما يفتح لأيّ مشروع فرصةً لتطبيقه , و البدء بتجريب سلطته فيه .

و ربما لم يعد الكلام عن جبهة النصرة بذات الزخم الذي كان قبل , بعد أن أصبحت أضعف كثيراً بعد القرار الشجاع للفاتح الجولاني بعدم مبايعة البغدادي , ما جعل معظم المهاجرين بين المقاتلين ينحازون إلى دولة العراق و الشام , و ربما كان بين أسباب هذا الخلاف تقديم جبهة النصرة للقيادات السوريّة , دون ادّعاء أنّه السبب الوحيد بسبب الطبيعة المغلقة أساساً لهذه التنظيمات .

ثمّة ضرورة لمراجعات في النظريّة و السلوك , هامّة جدّاً لم تقم بها دولة العراق حتى الآن , رغم المشاكل الكبيرة التي واجهتها و أدّت بها إلى الفشل , دون أن نخدع أنفسنا و نقول إنّ مشروع الصحوات هو السبب .

إنّ التفكير بدولة إسلاميّة تقدّم نفسها كحقّ وحيد , و تتجاوز البيئة المحليّة , و تفرض نفسها بالقوّة لا غيرها , و تصادم ثقافة و تديّن الناس , سيجعلها تمثّل – من حيث تقصد أو لا تقصد – بالنسبة للمجتمع المحلّي محاولةً لانتهاكه , دون أن نغفل أمراً مهمّاً جدّاً و هو انّ الثورة السوريّة لم تكن ثورة أحزاب ولا ايديولوجيات و لا مدن حديثة , و إنّما كانت ثورة مجتمعات محلّيّة بامتياز , بما تمتلك هذه المجتمعات من نسيج صلب و خصوصيّة و قدرة على الحشد و التضامن , أي أنّ أيّ محاولة لفرضِ سلطةٍ محضة على هذه المجتمعات ليست متصالحة – إن لم تكن منطلقةً- مع داخلها و متسقةً مع موروثها الرمزي و “التراكم التاريخي للهويّة” في وعيِها , ستخلق شكلاً من الصدام بالضرورة .

و ما يجعل هذا الصدام حتميّ النتيجة سلفاً , هو أنّ أغلب كتائب الجيش الحرّ نشأت كتطوّر ثوريّ عفويّ لاحتجاج هذه البيئة المحليّة ضدّ السلطة , و تطوّرت إلى أشكال مختلفةٍ فيما بعد إلّا أنّها لم تنفصل عن هذا “الانتماء المؤسّس” , عدا عن فرق القوّة و العدد الكبير بين الطرفين .

يظنّ الكثيرون أنّ التنبيه على هذه الصدامات , و ضرورة أن تراجع التنظيمات السلفيّة الجهاديّة نفسَها , ينطلق من معاداة مبدئيّة لها , و دوماً ما نُصوّر – حتى كإسلاميّين- كنموذج عميل للمحافظين الجدد لدى المناصرين لهذه الحركات , بينما في الحقيقة , فإنّ أكثر ما يشغل المحذّرين من هذه الصدامات , هو النوايا الطاهرة المخلصة التي عرفوها عند كثير من المهاجرين , هذه النوايا التي لا يريدون لها أن تُراق في حروبٍ أخرى لا تنتمي لوضوحِ الحقّ الأوّل .

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s