جهاد ابن الفارض و أزمة الإسلاميين

في ثورة الثمانينات كان أبو الجود يغنّي لابن الفارض , و بصوته نفسه ينشد للجهاد .

هذا الامتزاج العضويّ و العفويّ بين الحبّ و الحرب في الذات الإسلاميّة , و بالضرورة في المشروع الإسلامي نفسه , هذه الممارسة المكرّسة للفنّ باعتباره قيمة إسلاميّة لا تنفي الانشغال بالدين ولا التخلّي عن واجب إصلاح الدنيا , بل تؤكّد عليهما دون أن تفقد جماليّتها و إبداعها الفنّي العميق , تذكّر بتنظير بيجوفيتش للأصل الدينيّ للفنّ و للوحدة ثنائيّة القطب بين المادة و الروح التي استطاع الإسلام حلّ تناقضها و الإيفاء بمتطلّبات جوّانيّة الإنسان و حاجات الحياة البرّانيّة , و التي جنى عليها كثير من الإسلاميين أنفسهم حين اختزلوا الإنسان إلى قطب أحاديّ متخيّل , إمّا أن ينسحب إلى ذاته و أذكاره , و إمّا أن يحتكم إلى الجماعة و يتبعها كضرير , مع تهميش حاجة الإنسان الأصليّة للمحبّة و الجمال و الفنّ تماماً كحاجته إلى العبادة و الحرية و الأخلاق .

 فقد الإسلاميّون الحركيّون التقليديّون تصوّرهم للأمّة كمجتمع و ذوات إنسانيّة , و لم يعودوا يتخيّلون إلّا جمهور المصلّين الباحث عن إمام , و يسعون لنفي أيّ صفة عنهم غيرها , و أفقدتهم القدرة على الصدق و ألجأتهم إلى تكريس شكل من النفاق في التربية حين يختزل صورة الإنسان إسلاميّاً إلى بعد واحد فيه و ينفي عنه تعدّده الإنسانيّ الفطريّ , ما يعلمن الإسلام حقّاً و يجعله غير قابل للحضور في الحياة التي ترفض هذا المثاليّ الأحاديّ إلّا بتجاوزه , و هذه مشكلتهم الكبرى الآن , و التي تجعلهم منعزلين عن إنتاج المعرفة -بمعناها العامّ- أو القدرة على صوغ الرأي العامّ على المدى البعيد , إذ فقدوا إحساسهم بأنّ الإنسان كما يصلّي و يصوم عليه أن يحبّ و يطرب و يشعر بالجمال , دون أن يدخل ذلك في جدل الإثم و الأجر بقدر ما أنّ الإنسان لا يمكن أن يكون إلّا كذلك .

 هذه المشكلة على مستوى الفنّ هي ذاتها على مستوى الثقافة بتعريفها العامّ , إذ نجدهم عاجزين عن وعي الأدب أو الفلسفة أو البحث العلميّ من داخله , و دوماً ما يلجؤون لإلباسه ثوباً خارجاً عنه في عمليّة من الأسلمة السطحيّة , التي لا تعي أنّه لا يمكن مقاربة الأدب إلّا بأدوات الأدب نفسه و أنّ توجيهه و رساليّته و محاكمته تكون بإتقان هذه الأدوات لا بتجاوزها , الرسالة نتيجة لإتقان الأداة و ليست هي الأداة ذاتها , الأمر نفسه ينسحب على الصحافة و الأكاديميا و السياسة , و بقية مساحات إنتاج المعرفة , ما جعل هناك غلبة علمانيّة على النخب المنتجة بالضرورة – كنخب- لصورة المجتمع الخارجيّة أو التاريخيّة و القادرة على إنتاج الرأي العامّ و الإدارة السياسيّة و الإعلامية و حتى الدينيّة للصراع الايديولوجي , هذا يتضح في دولة كمصر بشكل كبير , أي أنّ الأقلية المجتمعيّة بحكم كونها الأغلبيّة النخبويّة تصبح هي المسؤولة عن صورة المجتمع و تاريخه , و هذه ثنائيّة نادرة .

 أي أنّ الإسلاميين في اختزالهم تحقيق الإسلام إلى وجوده كسلطة تطبّق الشريعة و حسب , لم يعجزوا فقط عن وعي المجتمع و حاجاته الإنسانيّة المتعدّدة إلى الثقافة و الفنّ و الأدب و اختزلوه إلى جمهور من المصلّين الباحثين عن إمام , و لا عن وعي المعرفة و قيامها على وعيها من داخلها و بأدواتها كذلك فاختزلوا كلّ بحث معرفيّ إلى جدل الحلال و الحرام و إلى صراع موهوم و سطحيّ لإثبات حقيقة الإسلام فيما لا ينفيه حتى , بل عجزوا أيضاً عن وعي السلطة نفسها و قيامها على تحالف النخب بالضرورة .

هذه السيرورة المتصلة و المتتالية , من الاختزال و إساءة الفهم و الآيلة بشكل طبيعي إلى العجز , بدأت أوّلاً من استغراب أحدهم من أنّ من يغنّي لابن الفارض ينشد للجهاد في الوقت نسه .

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على جهاد ابن الفارض و أزمة الإسلاميين

  1. يقول أغيد:

    كلام جميل ولكن يحتاج لتبسيط

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s