ثلاثة حكماء : ثلاث اقتباسات

1

الغزالي , نقد التنطّع

يقول الغزالي في التهافت ردّاً على محاولة بعض المتكلّمين إنكار تفسير الطبيعيّين للكسوف و الخسوف توهّماً منهم أنّ عليهم رفضّ كلّ ما يأتي به الآخر من خارج الشريعة حتى لو لم يناقضها , مؤكّداً على أنّ حيّز الحق الديني لا ينبغي تعليقه بالبحث الطبيعي -كما يفعل جمهور الإعجاز العلمي- ما لم تدخله أدلّة الدين نفسه في حيّزه بالقطع لا التأويل أو إن كان مناقضاً حقاً لأصول الدين و متعارضاً مع أدلّته , , مناقضة ابستمولوجية ظاهرة , و ليست على سبيل الرفض الثقافي و الهويّاتي المجرّد :

” هذا المعنى أيضاً لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض , ومن ظن أن المناظرة فيه من الدين فقد جنى على الدين ، و ضعّف أمره .
فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية، لا تبقى معها ريبة، فمن يطلع عليها و يتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين و قدرهما و مدة بقائهما إلى الانجلاء , إذا قيل له: إن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه ، وإنما يستريب في الشرع .
و ضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقه أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقة ، وهو كما قيل: عدو عاقل، خير من صديق جاهل . “

حقائق الاجتماع و السياسة “أحياناً” تشبه في هذا حقائق العلم , و عدمُ يقينيّة الحقيقة و تغيرُها في الأمرين – في العلم قبل الاجتماع – لا ينفي ضرورة التعامل معها .

 

2

الجاحظ , أصليّة الشرّ

نحتاج أن نعود إلى الإمام الجاحظ , و نترك طهوريّة الظنّ بالخير الأصليّ للإنسان و العالم , و نرتاج من سؤال الشرّ أو اعتباره معضلةً عصيّة على تفسير قلوبنا الطيبة .
لا شكّ أنّ الجاحظ لو ألّف كتاباً بعد مماته لكان سيبدؤه بالتهكّم و الضحك ممّن ترجم له فقال : إنّه كان يطلب العلم منذ نعومة أظفاره , أيّ نعومة يعرف ذلك الطفل الذي كان يمشيي حاملاً سلّة السمك على ضفّة دجلة طيلة يومه , حتى يدفع للورّاقين في الليل كي يقرأ من كتبهم !؟

و لست أشكّ أنّ تسليم الحاحظ بأصليّة الشرّ و حكمته في الحياة , تعود أوّلاً -قبل محاكمته العقليّة للأمر- إلى محاكمة نفسيّة تنظر بسخرية إلى علماء البصرة و الكوفة المترفين الذين لم يعاركوا الحياة و يجرّبوا شظف الحرمان من المال كما جرّبه , ولم يكونوا كذلك بمثل حظّه القليل من الجمال حتى يجرّبوا الحرمان من الأنوثة كما جرّبه تحت شمس الصيف و بينه و بين نظرات و لمسات الفتيات على ضفاف دجلة و أسواق البصرة فقر الجيب و قبح العينين .

ولكن هل خسر الجاحظ حقّاً , لقد ربح اللغة , و رسم ذاك المجتمع الذي كان يبيعه السمك المالح من جديد بالكلمات , كلّ من شوى سمك الحكيم في قصره مات و نُسي , و كلّ من رفضت أن تمسك الأصابعُ الملطخةُ بالملح و الحبر يَدَها انشغلت بخدمة الزوح و تنظيف الأبناء و ماتت و ضاع دمها بين المقابر , ما الذي بقي من كلّ ذلك إلّا ما كتبه الجاحظ ؟!

كان الجاخظ مثلنا جميعاً , نحن الذين نشأنا على كتبه , ممتنّاً للورق و المعرفة , هذا ما لا يفهمه من لا يشعر بالرومانسيّة و الجماليّة القصوى لأن تموت مدفوناً تحت كتبك .


اعلمْ أنّ المصلحة في أمر ابتداء الدّنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير بالشرّ ، والضار بالنافع، والمكروه بالسار، والضعة بالرفعة، والكثرة بالقلة. ولو كان الشر صرفاً هلك الخلق، أو كان خيراً محضاً سقطت المحنة، وتقطعت أسباب الفكرة. ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة.

ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبُّت وتوقف وتعلُّم. ولم يكن علم. ولا يعرف باب التدبير، ودفع المضرة، ولا اجتلاب المنفعة، ولا صبر على مكروه، ولا شكر على محبوب، ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظفر، وعز الغلبة، ولم يكن على ظهرها محق يجد عز الحق، ومبطل يجد ذل الباطل، وموفق يجد برد التوفيق، وشاك يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم، ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعبها الاطماع … فسبحان من جعل منافعها نعمة ومضارها ترجع إلى أعظم المنافع … وجعل في الجميع تمام المصلحة وباجتماعها تمام النعمة “
كتاب الحيوان , الجاحظ

 

3

البيروني , في مديح الريحان

 

لديّ حبّ غريب لهؤلاء الذين قضوا حياتهم منشغلين بإنسان واحد , يبحثون مشروعه و يحقّقون كتبه و يشرحون نصوصه و يعيدون موضعته و تأويله في إشكالات أوسع ممّا سمح به عصره , إنّهم يعيدون كتابته و خلقه بمعنى أو بآخر .
مثل ماسينيون مع الحلّاج , و , أو ساخاو مع أبي الريحان البيروني , أو أبي عبدالرحمن بن عقيل الظاهري مع ابن حزم , أو عبد العظيم الديب مع الإمام الجويني , أو ابن رشد مع أرسطو , و كثيرٍ غيرهم .

بالنسبة لـ ساخاو , فإنّ أبا الريحان البيروني كان أعظم عقليّة عرفتها البشريّة , و لم تكن منزلة أرسطو لدى ابن رشد أقلّ من الأنبياء بحال بل لعلّها أرفع , الأرجح أنّها كانت طريقة متوارية ليقول ساخاو -و غيره- إنّه هو أعظم عقليّة سمحت بها البشريّة في عصره ما دام يبحث في أعظم عقلية عرفتها البشرية عبر العصور , عدا عن أنّ البيروني ابن الشرق كان أوّل من مارس الاستشراق حقّاً , ما يجعل إعجاب ساخاو به متكامل الشبه , أن تشعر بالعظمة يعني أن تبحث عن الشبه , حتى في الدين أغرم الإنسان بالقول إنّ الله خلقه على وجهه .
تنازعت نسب البيروني القبائل , ينسبه الهند إليهم , و السوفييت – باعتبار مولده يقع الآن في أوزبكستان , و الفرس , و الترك , و بالضرورة العرب كذلك بحكم أنّ مؤلّفاته بلغتهم , رغم أنّها لم تكن لغته الأمّ , و إن كانوا يحملون حجّة قويّة عدا ذلك بسبب كلمته الشهيرة حين قال إنّه لو يُهجى بالعربيّة فذلك أحبّ إليه من أن يُمدح بالفارسيّة .
هل تكون كلمة واحدة أكثر دلالةً من حياة ؟! , كثيراً ما نمارس ذلك بشكل واعٍ , و هل مهمّة الكتابة إلّا أن تغطي بالكلمات عورة التاريخ ؟!

أن نلمس العظمة يعني أنّنا امتدادها , أنّنا وجهها الحيّ و تجلّيها الأمثل , حتى لو نافسنا في ذلك اللامسون , فكيف حين تكون وحدك المصلّي في المحراب !؟

ولكنْ أبو الريحان البيروني شخصيّة نادرة فعلاً , ليس أعجب ما فيه موته , حين ألحّت عليه مسألة بينما كان يحتضر و الأطبّاء و أهله و تلامذته حوله فطلب عالماً أو كتاباً ليعرف إجابتها , و لمّا استغربوا قال لهم ببساطة و هدوء إنّه يفضّل أن يموت وهو يعرفها على أن يموت وهو يجهلها .
قلق المعرفة لدى أهلها هو السكينة الغائبة عن صخب الحياة اليوميّة لدى أهلها , الصخب الذي يراقبه الحكيم من بعيد ليراه هادئاً مملّاً و مزعجاً , ناكصاً إلى بحثه الأزليّ عن صوت الحياة و دليل استمرار الزمن بين الكتب .
وإنّما العجب في حياته , سواءٌ حين كانت أمّه الأرملة تبيع الحطب وسط ثلوج خوارم كي تشتري له الحبر أو حين اتصل بالملوك و أصبح رفيق محمود الغزنوي أحد أكثر ملوك التاريخ الإسلامي في الشرق جلالةً و سلطة و فتوحات .

لم يكتف البيروني ان يكون موسوعة عصره في الطبيعيّات بما تشمل من الكيمياء و الفيزياء و الجيولوجيا و الجغرافيا و الفلك و يكون له نظرياته و كشوفاته و اختراعاته السابقة في ذلك , و في الطبّ و الرياضيات أداته المعشوقة الدائمة , و أن يكون له آراء متقدّمة و مبدعة في مشكلات علم الكلام و الفلسفة , و أن يكون أعجوبةً في معرفته باللغات و إتقانه للترجمة و قدرته على الإبداع فيها بالسنسكريتية و الفارسية و التركية و العربية و اللاتينية و غيرها (ربما كان أوّل من ترجم الفلسفة الإغريقية من العربية للسنسكريتية ) , و أن يكون مؤرّخاً له نظريته الخاصة في فلسفة التاريخ عدا عن بحثه التاريخي الذي يقترب من أن يكون دراسات انثروبولجية متكاملة كما وصفه المستشرقون , و أن يكون شاعراً و لغويّاً شارحاً لموسوعات الأدب , عدا عن عقليّته المفكّرة المتفلسفة التي تفترق بشكل واضح عن المعتاد المكرّس للعلماء في النسق المعرفيّ لعصره , فإنّه كان له اهتمام غريب لم يُسبق إليه و ألّف فيه أضخم كتبه , و هو الهند , أقام البيروني أربعين سنة يرافق محمود الغزنوي في غزواته للهند يدرس لغاتها و أديانها و أدبها و حكمتها و حتى أطعمتها و يناظر حكماء الهند , حتى أنجز كتابه : “تحقيق ما للهند من مقولة , مقبولة في العقل أو مرذولة ” .

لاحظت على نفسي منذ فترة أنّني أعلن دائماً حبّي للريحان , و أطلب إضافته بشكل خاصّ على الأطعمة , الإيطالية منها بالذات , حتى اللاوعي المشتهي له طرقه في إعلان تحيّزاته الحكيمة , أو في التغطية على الخيبة أمام من يشعروننا بالتوق لأن نشبههم ولكنّنا نصطدم بواقع أنّنا لن نصل , كثيراً ما نأكل – أو نفعل اشتهاءات أخرى – بنهمٍ و عنف كي نشغل وعينا عن غضب آخر … عن غضب عاجز لا إمكان له .

أحد الاقتباسات التي أغرتني بالتوسّع في معرفة البيروني , عدا عن قصّة طلبه للكتاب وقت احتضاره , هو كلمةٌ في نقد الترجمة الفلسفيّة , و التي يرى أنّها أسهمت في إبعاد الفلسفة عن الحيّز العامّ و أتاحت لمن لا يعرفها أن يحرف مقاصدها , عدا عن تسبّبها بعزلة المشتغلين بها عن المجتمع , يقول :

” وها نحن نراهم يستعملون في الجدل و أصول الكلام و الفقه طرق القول , ولكن بألفاظهم المعتادة فلا يكرهونها , فإذا ذكر لهم اياغوجي و قاطيغورياس و باري أرمنياس و أنولوطيقا , رأيتهم يشمئزون عنه و ينظرون نظر المغشي عليه من الموت , و حقّ لهم , فالجناية من المترجمين , إذ لو نقلت الأسامي إلى العربية فقيل كتابُ المدخل و المقولات و العبارة و القياس و البرهان , لوجدوا متسارعين إلى قلوبها , غير معرضين عنها “
أبو الريحان البيروني , تحديد نهايات الأماكن

 

About أحمد أبازيد

facebook.com/abazed89
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على ثلاثة حكماء : ثلاث اقتباسات

  1. يقول fatimazahrali:

    Reblogged this on مدونة فاطمة الزهراء علي الشيخ and commented:
    ثلاثة حكماء..ثلاث اقتباسات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s